يوم تغيرت أمريكا.. إلى الأبد

بقلم/
مصر : ۱۵-۹-۲۰۱۰ - ۱۱:۳۵ م - نشر

مرت تسع سنوات منذ يوم ١١ سبتمبر ٢٠٠١. صباح ذلك اليوم كنت أشاهد الأخبار في البرنامج التليفزيوني "صباح الخير يا أمريكا" و بدأت المذيعة في عرض ما سيتم تقديمه في حلقة اليوم، و خلفها شاشات تليفزيون تعرض ما بدا للوهلة الأولى و كأنه فيلم درامي أو لعبة فيديو أو حتى رسوم متحركة لطائرة مدنية تطير على إرتفاع منخفض ثم تصطدم بإحدى ناطحات السحاب المعروفة في مدينة نيويورك الأمريكية و هو برج مركز التجارة العالمي.

مرت لحظات طويلة، أفاقت بعدها مذيعة "صباح الخير يا أمريكا" من ذهول الصدمة الأولى لتعلن أن إحدى الطائرات المدنية إصطدمت بالبرج الشمالي لمركز التجارة العالمي في نيويورك في تمام الساعة 8:46 صباحاً بتوقيت نيويورك، و بعد ذلك بربع ساعة إصطدمت طائرة مدنية أخرى بالبرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي بنيويورك، ثم بعد ذلك بنصف ساعة إصطدمت طائرة مدنية ثالثة بمبنى وزارة الدفاع الأمريكية، مبنى البنتاجون في ضواحي واشنطن العاصمة، و بعد ذلك سقطت طائرة مدنية رابعة في ولاية بنسلفانيا يعتقد أنها كانت في طريقها لتصطدم بالبيت الأبيض في مدينة واشنطن العاصمة. إنهار البرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي بعد حوالي 55 دقيقة من الإصطدام ثم إنهار البرج الشمالي بعد حوالي ساعة و أربعين دقيقة من الإصطدام، و أظهرت بعض تسجيلات الفيديو ما بدا و كأنها تفجيرات من داخل المبنيين قبل إنهيارهما مباشرة. و قد قتل في هذه الأحداث ما يزيد على ثلاثة آلاف شخص، من جنسيات مختلفة، بناء على التقديرات الأمريكية الرسمية.

أثناء هذه الأحداث، كان الرئيس الأمريكي جورج بوش "الإبن" في زيارة لمدرسة إبتدائية في ولاية فلوريدا، على بعد أكثر من ألف ميل من واشنطن العاصمة. إتصل الرئيس بمستشارته للأمن القومي، كونداليزا ريس، التي أكدت له الأخبار و طلبت منه أن يبقى في فلوريدا و أن لا يحاول الحضور إلى واشنطن لأن "البيت الأبيض يتعرض لهجوم جوي". ثم تحصن نائب الرئيس، ديك تشيني، و كونداليزا ريس و جميع العاملين في البيت الأبيض، في داخل غرفة عمليات مخبأ البيت الأبيض، تحت الأرض. و تم منع جميع عمليات الطيران المدنى و التجاري فوق الولايات المتحدة بالكامل، و إنقطعت الإتصالات التليفونية و اللاسلكية في أمريكا.

و سرعان ما تطايرت التحليلات و التفسيرات و نظريات المؤامرة لكشف غموض هذه الأحداث:

  • فمنهم من قال إن تنظيم القاعدة قام بتخطيط و تنفيذ هذه الأحداث من داخل "الكهوف" التي يتنقل بينها قادة القاعدة للإنتقام من تدخل أمريكا الظالم في العالم الإسلامي
  • و منهم من قال إن نظام صدام حسين في العراق ضالع في هذه الأحداث ليصرف الإنتباه عن برنامجه لإنتاج "أسلحة دمار شامل"
  • و منهم من قال إن اليمين الأمريكي الرأسمالي المسيحي المتطرف بقيادة المحافظين الجدد (Neoconservatives) و هو ركيزة التأييد الرئيسية للرئيس بوش الإبن، له دور في تلك الأحداث لتقوية قبضتهم على الحكم في واشنطن بخلق عدو خارجي "الإرهاب" حتى يتحد الأمريكيون خلف الرئيس الجديد، بوش الإبن، خصوصاً أنه تولى الحكم بعد إنتخابات مشكوك في نزاهتها لأول مرة في تاريخ أمريكا
  • و منهم من قال إن الصهيونية العالمية و حلفاءها من ماسونيين و غيرهم، قاموا بتخطيط هذه الأحداث بشكل غير مباشر عن طريق إختراق تنظيمات من قاموا بتنفيذها، ثم بعد ذلك إلصاقها بالمسلمين حتى يكتمل مخططهم بأن تقوم أمريكا وحلف شمال الأطلنطي (NATO) بضرب الأمة العربية والإسلامية و تفتيتها و إحتلالها
  • و منهم من قال إن الإمبراطوريات الصناعية الأمريكية والعالمية للتسليح و صناعة السلاح و تجارته ضالعة في هذه الأحداث لزيادة ترويج مبيعاتها من الأسلحة المتقدمة في أمريكا و في العالم أجمع، و في نفس الوقت و على طريقة ضرب عصفورين بحجر واحد، إغراء المحافظين الجدد بغزو و إحتلال مصادر البترول العربية التي تحتاجها إمبراطوريات صناعة التسليح.

و إذا طرحنا جانباً جميع التحليلات و النظريات، بما فيها من نظريات المؤامرة، و إذا إستقرأنا الأحداث التي تلت ذلك اليوم، فإنه أياً من كان الذين قاموا بهذه الجرائم من مدبرين و منفذين، فإن هذه الجرائم أدت بالفعل إلى تغيير أمريكا.. و إلى الأبد، بما يصفه بعض المحللين بأن هذه الجرائم أدت إلى هزيمة أمريكا من الداخل على أيدي المحافظين الجدد بما إتخذوه من إجراءات إستثنائية و غير دستورية أفقدت أمريكا قوتها و مصداقيتها.

فقد تغيرت أمريكا من الداخل بإصدار ما يسمى بقانون "الوطني" (Patriot Act) الذي سمح للحكومة الأمريكية بالإغتيالات و التعذيب و إنشاء السجون السرية في الخارج، و القيام بجرائم ضد الإنسانية في أفغانستان و العراق و جوانتنامو باي، و غيرها. أما في الداخل فقد سمح هذا القانون المشين للحكومة الأمريكية بالتجسس على مواطنيها بالداخل و إعتقالهم إستثنائياً بدون الضمانات القانونية العادية أو حتى ترحيلهم من أمريكا إذا لزم الأمر، كما حدث مع العديد من العائلات المسلمة التي تحمل الجنسية الأمريكية.

تواكب مع هذا القانون المشين حملة تحت مسميات متضاربة مثل "الحرب ضد الإرهاب" التي بدا أن المقصود منها "الحرب ضد الإسلام" خصوصاً بعد ما أعلنه الرئيس الأمريكي من أنها ستكون حرباً صليبية (Crusade). تلى ذلك ما يمكن وصفه بأنه تهديد من أمريكا للعالم أجمع حين قال الرئيس الأمريكي "في الحرب ضد الإرهاب.. إن لم تكن معنا فأنت ضدنا". لقد فقدت أمريكا مصداقيتها و سلطتها المعنوية (Moral Authority) بعد هذه الإجراءات الإستثنائية، و بدا و كأنها تودع دور "القوة العظمى" لأسباب سياسية بعد ما رأينا الإتحاد السوفيتي يفقد دور القوة العظمى لأسباب إقتصادية.

تغيرت أمريكا في سياستها الخارجية أيضاً بغزو أفغانستان بحجة القضاء على تنظيم القاعدة، و حقيقة الأمر كان الهدف هو القضاء على الطالبان و خلق قاعدة أمريكية في هذه المنطقة الحيوية المتاخمة لباكستان. ثم قامت أمريكا بغزو العراق بذريعة أن نظام صدام حسين يملك أسلحة دمار شامل، و ثبت بعد ذلك أن هذة الذريعة كانت أكذوبة كبرى لفقتها المخابرات الأمريكية لإحتلال العراق حتى تضع أمريكا يدها على أكبر مخزون بترول في العالم و هو بترول العراق. و إستمر مسلسل المغامرات العسكرية الأمريكية غير المبررة مع إستمرار التأييد الأمريكي الأعمى لبعض قوى الشر في العالم و أولها إسرائيل.

فيبدو أن عجلة التاريخ على وشك إستكمال دورتها الحالية، بإنتقال دفة القوى العظمى من قوة أحادية هي أمريكا، إلى عالم متعدد الأقطاب تشمل الصين العملاقة و أوروبا المتحدة وربما نمور جنوب وشرق آسيا إذا إتحدت.

و الآن و بعد تسع سنوات من ذلك اليوم المشهود، يجب أن نراجع أحوال أمتنا العربية و الإسلامية، و يجب أن نراقب بإهتمام تغيرات العالم حولنا. و علينا أن نستوعب دروس التاريخ، و من أهمها:

  • إن التغيير لا بد أن يحدث، و من الضروري أن نكون مستعدين للتغيير، بل و سابقين لأحداثه بمبادراتنا
  • في عالم اليوم، توجد شعوب قوية تقود و توجه دفة الأحداث لصالحها، و شعوب تابعة تنصاع و ترضى بالفتات
  • لا وزن للشعوب و الكيانات الدولية الصغيرة أو الضعيفة أو المفتتة، فهي إن لم تأخذ بأسباب القوة العلمية والإقتصادية، و قبل ذلك قوة الوحدة، و فوق ذلك قوة التمسك بدين الله.. إن لم تأخذ بأسباب القوة كلها فإنها تعد نفسها لتصبح الضحية القادمة و الفريسة السهلة لكيانات دولية متربصة دائماً.

د. محمد علاء الدين عباس مرسي مصر

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

د. محمد علاء الدين عباس مرسي عباس مرسي

M. Alaadin A. Morsy, Ph.D.

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

8 تعليقات

  • مسعد بكر

    اعتقد انه فعلا هناك تغييرا قد حدث وهو انه ما كان يحدث سلفا فى الخفاء و اعطاء مبررات اخذ مكانه فى الواقع العربى والاسلامى و الذى يشك فى ذلك فليراجع مراكز دراسات الشرق الادنى و مراكز التحليل والدراسة فى العالم الغربى لقد تمت دراسة لواقعنا لاكثر من ثلثمائة عام و نحن فيه من ضعف انما و من عند انفسنا و لست ممن يمارسون جلد الذات و لكنه واقعا جدير بشحذ الهمم للافضل دون تضحية بالاجيال الحالية لتعيش اجيالا اخرى و لكن بتلاقى وترادف شبيه بسنفونية نعزفها جميعا

    • محمد علاء الدين

      شكراً على الرأي الصائب.
      فلا جلد الذات يجدي ولا خداع الذات يفيد.
      وإنما الإيمان والعمل والأخذ بأسباب القوة والوحدة العربية والإسلامية الحقيقية.
      بدون ذلك، فلا الأجيال الحاضرة ولا الأجيال القادمة يمكن أن يكون لها التقدم والرفعة.

  • عائشة الجيار

    أستاذي الفاضل بفضل جهود من هم مثلك سيظل هناك أمل ،شكرا لك وفقك الله

  • محمد علاء الدين

    الأستاذة/ عائشة
    شكراً على تعليقكم الصائب، وهذه هي تكملة العبارة التي تفضلتم بالإشارة إليها:
    "إن التغيير لا بد أن يحدث، ومن الضروري أن نكون مستعدين للتغيير، بل وسابقين لأحداثه بمبادراتنا."
    بالفعل الصورة لا تبدو وردية، والطريق طويل وشاق، وحال أمتنا محزن من تمزق، وفساد، وإدمان للسلطة، وزواج المال والسلطة، وعدم الأخذ بأسباب القوة العلمية والتكنولوجية والإقتصادية، والبعد عن ديننا الحنيف وعن سنة نبينا محمد، صلى الله عليه وآله وسلم.
    لكن هذا لا يدعونا إلى اليأس، لأن الياًس هو أول درجات الهزيمة، وإنما يدعونا إلى مضاعفة الجهود لتوحيد الأمة ونبذ كل مايفرقها، والأخذ بأسباب القوة، والتمسك بديننا الحنيف وسنة نبينا محمد، صلى الله عليه وآله وسلم.
    ندعو الله أن يجعل أهـــلاً العربية نواة للتكامل العربي الفعلي والوحدة العربية الحقيقية.

  • عائشة الجيار

    (إن التغيير لا بد أن يحدث، و من الضروري أن نكون مستعدين للتغيير)
    من تقصد د.علاء الدين ،بأن نكون مستعدين ،نحن العرب ،الله يخليك ،الا ترى حكوماتنا ،الا ترى فواجعنا ،أنا أرى الصورة قاتمة،فالتمسك بالكراسي ،واستشراء الفساد لم يترك مجال لنكون أي شيء

    ،ولك فيما سيحدث في الانتخابات المصرية المقبلة دليل .تحياتي

  • أحمد حسين الشيمي

    الدكتور محمد
    مقال أكثر من رائع بالتوفيق بأمر الله

    • محمد علاء الدين

      الأستاذ/ أحمد
      خالص الشكر على تعليقكم وخالص التقدير على مقالاتكم المتميزة.

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك