الوحـدة.. حـُلـم لا ينتهي

بقلم/
مصر : ۵-۹-۲۰۱۰ - ۱۱:۲۰ م - نشر

تتردد لدينا جميعاً في وقت ما بعض الأفكار المشتركة، وتتوافق توقيتاتنا أو لا تتوافق، لعلنا نسمع كثيراً ما يطلق عليه مصطلح توارد الخواطر، فما يأتي على ذهن أحد الأشخاص أياً  كان تخصصه، وارد أن يأتي على ذهن شخص آخر في نفس مجاله، وليس عيباً  أو تقصيرا ً من أحدهما أو كلاهما، بل هذا أمر وارد وممكن، ومن الطبيعي والعادي أن تنطلق الأفكار متشابهة، وخصوصاً  إذا كانت هذه الأفكار منطلقة من مجتمع واحد، يحتوي على الخلفيات الواحدة، وكذلك إذا ما تعددت داخل هذا المجتمع العوامل المشتركة كالثقافة والخبرات وغيرها مما يمكن تسميته بالمعطيات، حيث تصل بنا هذه المعطيات إلى فكرة مشتركة.

وربما تعلمنا أو قرأنا عن فكرة أو حُلم، هو في واقع الأمر منهج حياة ومبدأ متكامل لا يتجزأ، كفكرة التحرير مثلاً، فنجد أنه إذا ما كانت هناك بلد ما تحت وطأة احتلال ما لفترة زمنية، فنجد أن أبناء هذه البلد أصبح لديهم فكرة واحدة مشتركة وهدف واحد لا يمكن الحياد عنه، ألا وهو الخلاص من المحتل، فإذا ما كانت الدولة في مرحلة بناء ونهوض، نجد نفس الأمر في داخل نفوس رجال هذه الدولة، ألا وهو التخطيط والتدبير والإعداد والتنفيذ والوصول بهذا الأمل إلى حيز الواقع كي يولد الفجر وتنهض الدولة، وهكذا فلا تقف الأفكار عند فرد بعينه، ولا تتحدد الآمال عند حد بعينه، ولكن الأفكار تنساب والآمال تحيا في نفوس من أراد لها الحياة، وكذلك الأحلام لا تنتهي مادام هناك من يحيا ليحلم.

أما فيما يخص عصرنا الراهن، فبفضل من الله أن معظم بلادنا العربية ليست مستعمرة عسكرياً أو محتلة من دول أجنبية، فيما عدا الوجود الأمريكي والإحتلال الإسرائيلي. فمعظم البلاد كانت تحت الاحتلال حتى وقت قريب، ولم يمر وقت طويل في كل الأحوال على آخر بلد نال استقلاله، و لذلك فنستطيع تصنيف المرحلة التي نعيشها بأنها مرحلة النهوض والبناء، وتلك المرحلة يلزمها من الإعداد والتخطيط ما يفوق الإعداد العسكري للقيام بحرب للتحرير، يلزمها من الجد والعمل، ما هو جدير ببناء حضارة حالية متماشية مع روح العصر، ومواكبة لكل تقدم على كوكب الأرض، ومتناسقة مع كل الذين سبقونا من دول استطاعت أن تسبق ليس لأنهم الأفضل ولكن لأنهم أوقفونا رغماً عنا، أو لأننا توقفنا بمحض إرادتنا عن ملاحقتهم بل وسبقهم، كما كنا أصحاب الحضارات التي تقود وتسود، فكانوا يسيرون على خطانا و يتعلمون العلم والحضارة منا.

ليس الأمس ببعيد حين كانت الدولة العربية الإسلامية ممتدة شرقاً  للصين وغرباً للمحيط الأطلنطي وجنوباً  للحبشة وشمالاً حتى أسبانيا. وحدة واحدة وكتلة واحدة تحت لواء واحد وتحت قيادة واحدة، بخليفة واحد وأمراء للقيام بأعمال الأمة، حيث نشر العلم وازدهرت الحضارة، فلم تخفت هذه الشعلة، إلا بعد أن تفتت الكتلة الواحدة، ولم يذهب وهج الريادة إلا بعد أن تفككت الوحدة وخبت قوة الدولة العربية الإسلامية وضاعت هيبتها وتجرأ عليها كل سفيه، وأراد بها السوء كل طامع لنهبها وسلب خيراتها واستباحة أعراضها.

فهلا فطنا إلى الداء.. وهلا رجعنا بسرعة إلى الدواء.. أم سيبقى هذا مجرد حُلم من الأحلام؟

من الحضارة المصرية القديمة نسوق المثل ولعل فينا إن لم يكن كلنا قد سمع أو قرأ عن الملك مينا الذي لم نتعلم اسمه مجرداً  أبداً، بل دائماً  ما قرناه بلقبه "موحد القطرين" وهو الفرعون مؤسس الأسرة المصرية الأولى سنة 3200 ق.م. أي من خمسة ألاف ومائتين سنة. ويذكر اسم مينا في بعض الكتابات المصرية القديمة باسم (ميني)، ثم حرف الاسم إلى مينا، ومن الغريب أن كلمة (ميني) تعنى باللغة المصرية القديمة "يؤسس" أو "يشيد"، فكأن المصريين أرادوا أن يبجلوا عمله في اسمه.

وبعض المؤرخين يؤكدون أن (ميني) فعل أو لقب وليس مجرد إسماً، أما في اللغة القبطية (المسيحية) فأسم (مينا) له مرادفات كثيرة منها: ثابت أو راسخ أو مكين أو دائم أو باق، وألقاب الملك مينا متعددة كذلك منها ملك الأرضيين، صاحب التاجين، نسر الجنوب، ثعبان الشمال. المصدر الموسوعة الحرة.

إستطاع الملك مينا بعد أن تولى حكم الجنوب، أن يخضع مملكة الشمال إلى حكمه، وكان دافعه تخليص سكان مملكة الشمال من ظلم و استبداد الحكام الظالمين وتحقيق العدل و لمساواة ونشر الأمن والسلام، وقد كان له ما أراد فحكم البلاد بعد أن وحدها واتخذ موقعا متوسطا للعاصمة بين مملكتي الجنوب والشمال، وتمم التحصينات الدفاعية اللازمة لحماية المملكة وصد الهجمات من الغرب والجنوب، فحكم البلاد زمناً طويلاً  وتمتع الناس بالأمن والسلام حين نعم الناس بالوحدة، هذه الوحدة التي كثيراً  ما تركت عالم الخيال وأقبلت إلى أرض الواقع بنماذج كثيرة منذ قديم الزمان، الوحدة سلاح منذ قديم الزمان، والحدة حُلم يأتي ويذهب, يتوهج ويخبو، ولكنها أبداً حُلم لا ينتهي..

صلاح عبد الله الباشا الإمارات

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

Leave your vote

0 points
Upvote Downvote

Total votes: 0

Upvotes: 0

Upvotes percentage: 0.000000%

Downvotes: 0

Downvotes percentage: 0.000000%

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق



Hey there!

Forgot password?

Don't have an account? Register

Forgot your password?

Enter your account data and we will send you a link to reset your password.

Your password reset link appears to be invalid or expired.

Close
of

Processing files…

أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك