عصبة.. ليست عصبية

بقلم/
مصر : ۲۵-۸-۲۰۱۰ - ۱۱:۲۷ م - نشر

في بعض الأحيان، يجبرنا الواقع على تلقي الدرس كاملاً، وعلى طريقة المعلمين يسألنا الواقع في نهاية الدرس، "ها فاهمين..؟"  ليؤكد أنه قد فعل كل ما عليه، من الإسهاب في الشرح والتنوع في أسلوب شرح المعلومة، ونرد كلنا بالإيجاب، وكل فرد فينا على طريقته، إن كان بصوت جهوري، أو إماءة بالرأس، ولكننا مجمعون وبإصرار نؤكد.. نعم سيدي نحن فاهمون، فعن إقتناع او غير اقتناع، بمحض إرادته أو لأنه مجبر، يدعنا الواقع، فيبعد أو يمشي، يتغير أو يتبدل لا يهم، المهم أنه يتركنا للمحك الحقيقي، ويضعنا في السبيل المؤدي للإختبار.

و في كل مرة، نعم في كل مرة، لا ننجح، نثبت أنه ما تعالت صيحاتنا في نهاية وقت الدرس وإعلاننا أننا استوعبناه، ما هو إلا لنذيع نداء الخلاص من ثقل الوقت، وتأففنا من الجلوس في مقاعد المتعلمين، وكأننا محترفين قد حَصلوا كل علوم الدنيا ولا ينقصهم أي تلقين، والنتيجة فشل ذريع، ثم هناك درس آخر، وآخر يتلوه وغيره يلحقه، والنتيجة كما هي، لا نستفد من التعلم، كلما تتكرر المواقف لا يتم الاستفادة من الخبرة السابقة.

ومنذ كان أولاد آدم، والدرس يتلى، فنقرأ من القران الكريم، بسم الله الرحمن الرحيم ((وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّـهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴿٢٧﴾)) صدق الله العظيم، سورة المائدة آية 27. سولت النفس للأخ قتل أخيه، واستمر قتل الأخ أخيه, حتى كتابة السطور، في مكان ما و لسبب ما، ودوماً  هناك مبرر للفعل والمدهش الندم بعده أو لا ندم، و الغريب أننا نؤكد أننا قد استوعبنا الدرس، و يزداد صوتنا علواً، نعم فاهمين، ثم نتسائل بسخرية وهل يعقل ألا نفهم.

إدعينا تمام المعرفة, وفوجئنا باختبار آخر، وأيضاً نجده بين الأخوة بعضهم البعض، وبالرغم من أن الدرس السابق لن تجد أبلغ منه، فنجد أننا أيضاً نقرأ من القران الكريم، بسم الله الرحمن الرحيم ((لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ ﴿٧﴾ إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴿٨﴾)) صدق الله العظيم، سورة يوسف آيات 7 و 8، أخوة يوسف وجدوا في العصبة سبباً  للإستئثار بالمحبة، فسمحوا للشيطان أن يزرع شجرة الحقد والكره بينهم، فأثمرت مكيدة للتخلص من الأخ، والعجيب أنه في سياق القصة ورد استخدام كلمة العصبة، حيث أنها مصدر للقوة، فتلك العصبة قادرة على التصدي للذئب، بعدما خاف الأب لئن ذهبوا وأخوهم يوسف معهم فينشغلون عنه فيأكله الذئب، وكما ورد في القران الكريم، بسم الله الرحمن الرحيم ((قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ ﴿١٤﴾)) صدق الله العظيم، سورة يوسف آية 14، فالدرس الواجب تدبره، أن العصبة تجلب القوة، والعصبة على الحق، هي الأدعى للتمسك بها وهي بدون أي شك سبب للمحبة، فالعصبة على الحق، مدعاة للهيبة، ومدفعة للشرور والأخطار، فهي خير مثال لمن يريد أن يأخذها من هذا الجانب، ولكن النتيجة لم تكن تحمل لا هذا ولا ذاك، بل حملت عبرة في تفنن الشيطان، وكذلك حملت المثال الواضح، في الفرقة والشقاق في العائلة الواحدة، حتى جلب الحزن للأب المكلوم، الذي لا حيلة لديه إلا الصبر والإحتساب،  ولكن هل منهم من يفهم.

لم يمر على أزمة حالية وقت طويل، وإن كان ليس الهدف هو ذكر الحادث، ولن يفيدنا أن نعيد وقائع حدثت في مناسبة ما، سياسية أو رياضية، في السودان أو في مصر أو في الجزائر، في اليمن أو في السعودية، والباقي أكثر وفي المستقبل أكيد أكثر، ما دمنا على عنادنا واعتيادنا نفس المنطق، منطق العصبية ـ العصبية هنا من الإنفعال الزائد في ما لا يفيد ـ ولكن ما يعنيني هو العبرة والعظة، ولنستدعي كل الحكماء إن أردنا، أو فلنحكم فطرتنا السوية، ونعطي الفرصة للجزء الطيب في أنفسنا، فلندع العصبية التي تشتت، و نتمسك بالعصبة التي تُجمِع، عصبة الحق و الخير، عصبة المهابة و القوة، التي تستمد طاقتها ونورها من لإلتحام والتماذج, عصبة قوة أخوة يوسف، حينما لم يخشوا الذئب فعصبتهم سلاحهم، عصبتهم تحمي أنفسهم و أخيهم، من أنياب الوحوش الضارية، فلنتوقف لبرهة من الوقت، بيننا وبين أنفسنا، فحري بنا قبل أن ننوي الدخول في عصبة، أن يكون الفرد فينا بداخله و مع نفسه عصبة واحدة، فلا يخالف فعل الجوارح، ما يضمره القلب، و لا ينطق اللسان بعكس ما يدور في الصدر، فنجد أنفسنا في حالة من التخبط و التناقض، نبدأ بأنفسنا ونؤمن أن الوصول للنهاية، يبدأ من خطوة البداية، فلندع التعصب جانباً، ولندع العصبية جانباً، و لتتسع دائرة عصبتنا، يا ليتها تشمل بلدنا كافة، والعرب كافة، والناس كافة، وليس الحلم ببعيد المنال، فمن حق الإنسان بل والإنسانية، أن تنعم بعصبة بدون عصبية.

صلاح عبد الله الباشا الإمارات

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك