شهر رمضان.. دروس و عبر – الجزء الثاني

بقلم/
مصر : ۱۸-۸-۲۰۱۰ - ٤:۳۰ م - نشر

اليوم نستكمل حديثنا عن فضائل و دروس ذلك الشهر الكريم الذي أقبل بالبركة و الحب ليعلمنا و ينقينا و يسمو بأنفسنا إلى أعالي السمو و لقد تحدثنا في المقال السابق عن المساواة و كيف أن الغني و الفقير يتساويان في هذا الشهر، فكلنا نجوع و نظمأ، لا نأكل و لا نشرب، فلا ينفع مال و لا سلطان، الكل تساوى و كذلك تعلمنا أن المال ليس ذا قيمة، فبأمر من الله أصبح المال لا يسد جوع و لا يروي عطش، كما تحدثنا عن الصفح و كيف يصفح الإنسان عند المقدرة فيصبح القوي ضعيفاً و لكنه قوي بحلمه و صبره، فإذا ما شاتمه أحد أو سابه فإنه يصفح و يقول إني صائم.. إني صائم، فيملك نفسه عند الغضب فيصبح هو القوي بصبره و إيمانه امتثالاً لقول الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه و سلم) في حديثه الشريف: ما تعدون الصرعة فيكم؟ قالوا: الذي لا يصرعه الرجال، قال: لا، و لكنه الذي يملك نفسه عند الغضب.

اليوم ننتقل إلى دروس جديدة و وعظة أخرى من فضائل شهر الحب و العطاء و الكرم.. شهر رمضان.

تبدل الأحوال

نحن أمة فيها الغني و الفقير، فيها المحتاج و المعطى و لكن لا نتخيل يوماً أن تتبدل الأحوال، و يصبح الغني فقيراً و الفقير غنياً، و لكن في شهر رمضان نرى ذلك الحال حيث تتبدل المواقف فيصبح الغني فقيراً و الفقير غنياً. إنه شيء عجيب و عظيم، فكم هرول الفقير خلف الغني ليسأله عن مال أو طعام ليسد جوعه  ثم يجيء هذا الشهر الكريم فنرى الغني هو الذي يبحث عن الفقير ليعطيه المال و الطعام و يؤدي فرضاً لا يكتمل صيامه إلا بأداءه، ذلك الفرض هو الزكاة، فإن الصيام يظل معلقاً بين السماء و الأرض إلى أن يؤدي الفرد الزكاة فنجد الغني يهرول باحثاً عن الفقير سائلاً إياه أن يأخذ منه المال من أجل أداء الزكاة فيا لروعة الدين و عظمة حكمته فأي دين ذلك الذي يجعل الغني هو الذي يبحث عن الفقير و الفقير مكرماً في منزله و الغني يطرق بابه سائلاً الفقير أن يقبل زكاته. إنه الدين الذي يعلمنا مفهوم التكافل الاجتماعي و أننا أمة واحدة لا فرق بين غنى و فقير، فالغني عليه حقوق و واجبات تجاه المجتمع و أفراده، فيتعلم الغني أنه مستخلف في هذا المال و أن المال منحه الله له ليؤدي حق السائل و المحروم، فكل مال لدينا هناك شركاء لنا فيه، الشريك هو السائل و الفقير و المحروم، امتثالاً لقول الله سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ*. فالمال نحن مسئولون عنه و علينا حقوق و واجبات و علينا أن نؤديها إلى أصحابها.

و إذا كان المال مالنا و وجب علينا أداء الحق المفروض علينا اتجاه السائل و المحروم فعلينا أن نعلم أن ما نمنحه للفقير ليس منحة من الغني للفقير بل إنه الحق المكتوب له في المال، فالمال مال الله و نحن مستخلفون فيه لتسييره و تعمير الأرض و إعطاء الحق المفروض للسائل و الفقير، فنحن علينا أن ننمي هذا المال و فى نهاية كل عام نمنح الفقير و السائل جزءا من هذا المال، فكأن الفقير هو شريك الغني بل إن جاز التعبير، فإن المال مال الفقير و نحن نقوم على تدويره و المتاجرة به و فى نهاية العام نمنحه جزءا من أرباح هذا المال.

أنه حقاً شيء عجيب و عظيم و لا نجده إلا في هذا الدين العظيم، أن يصبح الغني هو من يقوم على إعالة الفقير بتنمية المال و تشغيله.

الأمانة

قال الله تعالى: إنَّ الله يأمرُكُم أن تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهلها وإذا حَكمتم بين النَّاس أن تحكُموا بالعدلِ إنَّ الله نِعِمَّا يَعظُكُم به إنَّ الله كان سَميعاً بَصيراً

و لقد ذكرنا في المقال السابق أن الغني يهرول خلف الفقير ليعطيه الزكاة التي هي حق معلوم في أموالنا فالأحرى لنا أيضاً أن نؤدي الأمانات إلى أصحابها فإذا كان حق الفقير و المحروم في أموالنا هو حق فرضه الله علينا فما بالنا بالحق الحقيقي لمن منحنا و أتمنا على ماله و تجارته و أمانته، فيعلمنا رمضان أهمية الأمانة فلقد علمنا أننا مؤتمنون في أموالنا و فى حياتنا و أننا لا نعيش فرادى بل نعيش في مجتمع له حقوق و  علينا واجبات أقرها الله و نظمها الإسلام ،فإذا ما أدينا الزكاة في مالنا إيماناً منا أنه حق للفقير فعلينا أن نؤدي الأمانة لأنه حق شرعي لصاحبه.

و لا يظن أحد أن الأمانة شيء مادي فقط، فذلك مفهوم خاطئ عند الكثير منا، فالأمانة أنواع: أولها و أعظمها أمانة الهداية و المعرفة و الإيمان بالله عن قصد و إرادة وجهد، إنها أمانة الفطرة الإنسانية الَّتي حملها الإنسان و تعهَّدها. و كذلك حفظُ المرء ما عهد الله إليه من أوامر و نواهٍ، و استعمال جوارحه و مشاعره فيما ينفعه و يقرِّبه من ربِّه. هذه الأمانة الَّتي تنبثق منها سائر الأمانات الأخرى، فمن حفظ حقَّ الله حفظ حقوق عباده، الَّتي تتطلَّب ردَّ الودائع إلى أهلها، و كتم أسرارهم، و ستر عيوبهم، و البعد عن الغش في البيع و الشراء، و ترك التطفيف في الكيل و الميزان و غير ذلك.  قال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه أحمد و ابن حِبَّان عن أنس رضي الله عنه «لا إيمان لمن لا أمانة له و لا دين لمن لا عهد له». و يدخل في هذا الإطار أمانة العلماء مع العامَّة، بأن يرشدوهم إلى مبادئ دينهم و الأعمال التي تنفعهم في دنياهم و أخراهم من أمور التربية الحسنة، و الكسب الحلال، و من المواعظ و الأحكام الَّتي تقوِّي إيمانهم، و تنقذهم من الشرور و الآثام، و ترغِّبهم في عمل الخير، و تبعدهم عن التعصُّبات الباطلة الَّتي تمزِّق صفوفهم و تضعف شوكتهم، و كذلك أمانة الزوجة مع الزوج بحفظ ماله و عرضه و سرِّه.

و ما أعظم المجتمع الَّذي يسود فيه العدل، فلا ظالم و لا مظلوم، و لا تجاوز على حقوق العباد. و الإسلام بوصفه دين الحياة القويمة و التعامل السليم بين الناس،  يرسي دعائم الأمن الاجتماعي، فيأمر الناس جميعاً بأداء الأمانة إلى أصحابها، خوفاً من أن يَفرُط بعضهم على بعض، فتختلَّ القيم الاجتماعية، و تسود الفوضى و ينقلب المجتمع إلى غابة يأكل القويُّ فيها الضعيف، و قد أكَّد الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: "أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك".

ونستكمل في العدد القادم بإذن الله بعض الدروس و العبر من هذا الشهر الكريم و نسأل الله تعالى بأن يتقبل صيامنا و قيامنا و ينفعنا بما علمنا.

كريم صابر الإمارات

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

Leave your vote

0 points
Upvote Downvote

Total votes: 0

Upvotes: 0

Upvotes percentage: 0.000000%

Downvotes: 0

Downvotes percentage: 0.000000%

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق



Hey there!

Forgot password?

Don't have an account? Register

Forgot your password?

Enter your account data and we will send you a link to reset your password.

Your password reset link appears to be invalid or expired.

Close
of

Processing files…

أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك

Warning: mkdir(): Disk quota exceeded in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 321

Fatal error: Uncaught exception 'Exception' with message 'Cache directory not writable. ZenCache needs this directory please: `/homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/cache/zencache/cache/http/ahlan-com/2010/08/18`. Set permissions to `755` or higher; `777` might be needed in some cases.' in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php:324 Stack trace: #0 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->WebSharks\ZenCache\Pro\{closure}('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #1 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/classes/AbsBaseAp.php(55): call_user_func_array(Object(Closure), Array) #2 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AbsBaseAp->__call('outputBufferCal...', Array) #3 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->outputBufferCallbackHandler('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #4 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-includ in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 324