نوم بلا أدنى راحة

بقلم/
مصر : ۱٦-۸-۲۰۱۰ - ۳:۲۲ ص - نشر

لمحت بطرف عيني ساعة الحائط، التي كانت تشير عقاربها، إلى ما بعد منتصف الليل بربع الساعة تقريباً، أطفأت معظم أنوار المنزل، و شربت شربة ماء باردة،  ثم اتجهت بخطوات يغلبها النعاس و الإرهاق إلى غرفتي، و لأنني أحفظ الأبعاد و المسافات داخل غرفتي، فقمت بإغلاق الباب خلفي بهدوء، و اعتمدت على ما يختزنه عقلي من خطوات و اتجاهات، لكي أصل إلى السرير، و قد كان، فوصلت و ارتقيت و تمددت، ساعدني السكون حولي على استرخاء أعصابي، استدرت على جانبي الأيمن، و أنا أتمتم ببعض الأدعية و أذكار ما قبل النوم، انتهيت منها و أنا أرد نفسي مرة أخرى، لأتمدد على ظهري مغمض العينين، و من خلف جفني المغمضين، خيل إلي أني أرى ومضات تظهر و تختفي، أضواء صغيرة ضعيفة تتلألأ بسرعة، تتلاحق الومضات تباعاً و أراها تمر أمام عيني، مع أن الظلام يخيم على الغرفة، و اللون الداكن هو السيد في الداخل و كذلك بالخارج، عتمة الليل هي الحاكم المطلق في مملكة ما بعد الغروب، ومضات ومضات، أشكال سريعة تتوالى بسرعة، هي أشكال هندسية على أنماط عدة، مربعات و نجوم سداسية الشكل, تدور حول محورها و تلف حول بعضها داخل جفني, و بالخارج ظلام أسود شديد, و الأشكال البيضاء المضيئة تحاصرني, تضوي أمام عيني و أنا مغمض العينين، تمر من اليمين إلى الشمال و كأنها تداعبني، فتحمل النوم على أطرافها، و حين تلقيه على جفوني، تسبقني و تلتقطه مرة أخرى، و تبعد شيئاً فشيئاً حتى أظنها اختفت،  فتقترب رويداً  رويداً  و تومض في تتابع مدهش، فلا أهرب منها فأنام، و لا تبتلعني بداخلها فتقضي علي، و أنا مستلق على سريري، أنشد الراحة و النوم.

فتحت عيني فجأة، ففاجأني الظلام حولي، اللون الداكن هو اليقين الذي أراه، أو لكي أتحرى الدقة، هو ما لا أراه، حتى ألفت عيني الظلام, فتململت في مرقدي هذا، أحسست بحرارة جسدي تضفي لمحة ساخنة لهذه الليلة، حتى أن الضجر بدأ يتسلل إلى نفسي، فأنا برغم تعبي لا أستطيع النوم، و زفرت زفرة قوية، أخرجت معها بعض من شحنة الغضب المكتوم بداخلي، و يا ويل من يريد الراحة و لا يجدها، أو ينشد النوم و السكينة فلا يلقاهما، تحركت على جانبي الأيسر، و أنا أعدل من وضع رأسي حتى أجد مكاناً  بارداً  على الوسادة، لعلها تضيف إلي نفسي لمسة من الراحة، في وقت يعاندني فيه النوم، أبت اليقظة أن تفارقني، بل و تمادت في استعراض القوة خاصتها، فتحدت عقلي و أخذت تعرض على شاشة ذهني، مشاهد و أفكار عدة، يكفي كل منظر من المناظر، أو مشهد من المشاهد، أن يقصيني عن جزيرة النوم فيغرقني في يم الانتباه، و أخذت تستدعي الذكريات البعيدة و الدانية، و مشاهد ليومي و أمسي، صوت ضحكات أطفال، لعلني واحد منهم، خيالات تجري وراء بعضها البعض، مشهد تجمع حشد من الشباب، و أرى نفسي بينهم، صورة متداخلة و مركبات تسير، و أشخاص تتحرك في جميع الاتجاهات، منظر لمكان دراستي، و بعض لمحات لموقف أخجل من مجرد تذكره، عملي و زملائي و عملائي و طموحي، تخيل لغدٍ و منصب أحلم به، و مجتمع ناضج نظيف حضاري التعامل، مستوى اجتماعي و أطفال تلهو و بيئة نقية، و … كفى، كفى، ما هذا الانتباه، و أي ارهاق هذا الذي ظننتني أشعر به، أي نوم هذا الذي اعتقدت خطأ، أنه قاب قوسين أو أدنى من جفوني، فسمعت ضحكة منتصرة شامتة، ضحكة ساخرة يتردد صداها داخلي، ضحكة يقظتي التي غلبت نومي.

أيقنت بما لا يدع مجالاً  للشك، أن هذا لا يحدث صدفة، مثل أي شىء في المنظومة، و مثل أي شئ حولنا في هذا الكون ليس صدفة، هو أمر مرتب ترتيب منطقي، فتمهلت قليلاً، و أمرت ذهني بأن يصفى، و يعطيني تصوراً  من دون مسحة الخيال، فقط تحليلاً  عاقلاً  لما مر بي في هذه الليلة، فكان أول ما أنبأني به، ضغوط خارجية طبيعية أو غير طبيعية، تؤدي بي لسبيل ربما لا أريد أن أسلكه الآن، و هذا هو الارهاق أو رغبة النوم، فرفعت سبابتي و ابهامي احك ذقني في شرود و تأمل و قد أدهشني ما سمعته للتو، فأكمل ذهني بهدوء، ثم باختيارك رضيت بواقعك معتمداً  على مهارتك و خبراتك السابقة فلم تطمح للمزيد، اها.. تذكرت حينها أنني رضيت بالظلام و مشيت فيه، فسكت و رفعت كفي كله و وضعته على جبهتي و تمنيت أن يصمت ذهني عند هذا الحد، و لكنه أضاف ثم ظننت أنه بمجرد إغماض عينك سترتاح، و لكن حلت عليك لعنة إغماض عينك، بضعف ما كنت ستواجهه دون ذلك، فسرحت في هذا الكلام و تهادى جفناي في هدوء، و كأني استسلم فقد كفاني ما سمعت، و لكن ذهني أجهز على البقية الباقية مني، و ذكرني بأنني و إن تململت و تقلبت فما زلت بمكاني، حتى و إن فتحت عيني فلا أرى شيئاً واحداً  بصورة كاملة , مجرد أجزاء و أشلاء بقايا تصورات و طموحات، أعجز حتى عن إتمام رؤيتها فكيف لي بتحقيقها، و لم يجد ذهني مني أي جواب، فقد غافلت يقظتي، و نمت..نمت..

صلاح عبد الله الباشا الإمارات

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك