العودة.. من وراء الجدار

بقلم/
مصر : ۱۲-۸-۲۰۱۰ - ۸:۰۱ ص - نشر

تعلق بصري بالشباك الموجود في جانب الغرفة و يحتل معظم الجدار، و خيم جو من الصمت المهيب و أنا في منتهى السعادة لأني جالس بجوار جدتي، التي دخلت إلى المستشفى منذ وقت قريب، حيث أن المرض اشتد عليها، و لكنها كالعادة صمدت في وجهه، و فضلت المقاومة بالرغم من ضعفها و وهنها، على الاستسلام لذلك المرض العضال، و بعد خروجها من غرفة العناية المركزة، استقرت في هذه الغرفة، إلى أن تتماثل للشفاء فتستطيع الخروج و العودة لبيتها، و الآن حالة من السكون المخيم على الغرفة، و الذي لا يخترقه سوى صوت أنفاس جدتي، صوت متتالي في وتيرة ثابتة، أضاف لي شعورا ً بالراحة، هدأ من روعي و أسكنني، أنار لي بصيرتي و داخل روحي، وجدتني أستشعر قيمة النَفَس الخارج من و إلى الرئتين، أدركت معنى الحياة و أدركت قيمة الأمل في الحياة، و لا شعوريا ً وجدتني أكمل المشهد، فاستراحت عيناي لمنظر أشعة الضوء التي تنساب من النافذة، فتتكسر أمواج الضوء على الستائر الشفافة، و من خلف الستائر استرعى انتباهي، أن هناك قضبان فضية اللون من الألمنيوم، تراصت بشكل رأسي، تفصل بينها مساحات محددة، تنتهي في منتصف ارتفاع النافذة، و يقبض عليهم في نهايتهم عمود آخر بعرض النافذة، ليستقر عليهم جميعاً بوضع أفقي، لأول مرة ألاحظ أن هناك قضبان معدنية في سرير جدتي، من عند رأسها و من عند قدميها، تملكني الخوف عليها من جديد، فلماذا تحيطها القضبان و قد نجت من وراء الجدار، لماذا ينهكها الألم، فيسجنها المصير، لماذا يحررها الأمل، فتأسرها الأقدار؟

خرجت من الغرفة و في ذهني شيء محدد، و هدف واضح، هو ألا أدع جدتي حين تستيقظ تشعر و لو للحظة، بأي إحساس بالحزن، أو تتألم نفسيا ً من كآبة المنظر، فلم أجد أبلغ من الورد رسولاً، فوجوده يشيع البهجة و منظرة يجلب الراحة، و إن خار جهدها و لم تقو على الكلام، فليكن الحوار بالعيون و لنتكلم بلغة الزهور، سرت متجها ً خارج الردهة البيضاء، و مازالت ذاكرتي تحتفظ بمكان لبيع الهدايا البسيطة و الورود، بمدخل المستشفى، نعم ها هو ذا، تفحصت ببصري في خلال المكان، و استقرت ناظري عند ركن الورود، و بطبعي لأني كثير الإحتيار، نادر الاختيار، فقد استغرق بي التفكير مداه، مع أن المتاح غير وفير، فكان من المعقول ألا أتردد، فكأن حالي هو ملخص لحال معظم الناس، فالكل يسعى بكل قواه، يرتع بيمناه و يسراه، و يحتار في اختيار باقة من الورود، في مكان بسيط، ليهدي الرمز إلى الجدة العليلة، أتراني أهاديك يا جدتي أم أني أهادي كل جدة، أتراني أحملك بيدي أم أن عزمي أقل حدة، أتراك تقبلين الباقة أم مصير كفي ردة، أحمل الورود بين يدي و كأني أحمل باقة اعتذار، أسف و ندم شديدين عن كل ما سبق و بدر مني، عن تقصيري في إكرامك و تكريمك، عن عدم دفاعي عن كل ما أردتيني أن أحميه، في التخلي عن حقوقي، عن ابتعادي عن أهلي و عشيرتي، عن تملصي من إخواني و أقاربي، أتراني أعتذر لك أم للوطن في شخصك، أستقبلينني بعد كل ما صدر مني، و عهدي بك دائمة الكرم، حتى إنك لا توبخينني، أو تعاتبينني، أنت الدفء و الحضن، أنت الأمان و الأمن، أنت كل ما لي، أنت الوطن..

عدت ماشياً  و أنا أحمل باقة الورد، انتقيتها بعناية، اخترتها من فصيلة أصيلة يفوح أريجها، كلما مشيت خطوة، ينتشر العبير خلفي فيدل عطره أنني مررت من هنا, فضلت أن يغلب على الباقة اللون الوردي الفاتح ليريح العين و الأعصاب، و بعض الفروع الخضراء لتضيف البهجة و الجمال، و وردة واحدة حمراء، لم أمنع نفسي من إضافتها للباقة، فلم استطع مقاومة الغموض فيها، و لا مقاومة عودها اليانع، فكانت درة الباقة، و كأني أسمو بنفسي من كثرة ما استعدت من فضائل، و لكم ما عقدت العزم عليه لتغيير مسار حياتي، انتبهت و أنا أقترب من الغرفة إلى وقع صوت خطواتي، التي تناغمت مع إيقاع قلبي و دقاته، واثق أنا أم مهتز أتوارى خلف باقة ورد، وقفت أمام الباب، أأطرقه أم أدخل فوراً، أحاول أن أسترق السمع، فأستبين الصواب، و هنا سمعت صوت جدتي الواهن من الداخل يناديني باسمي، ففتحت الباب و دخلت، و اقتربت منها و على وجهي فرح الدنيا كلها، و لم أزل أقبل يديها حتى سحبت يديها من يدي، مددت يدي بباقة الورد أدنيه منها، فابتسمت برضا و شكرتني، و طمأنتني على حالها فهي أفضل حالا ً, و أشارت إلى الباقة و قالت لي, يا ولدي كم أحسنت الاختيار, ليس لأني أحب الورد فحسب, بل لأنني أحب الرسائل التي يحملها الورد, يا حبيبي عش أنت كالورد بأريجه يملأ الدنيا جمالاً، يا حبيبي احم نفسك من الغدر بشوك يزدك قوة و احتمالاً، كن و إخوانك باقة واحدة لا ترجون فرقة و انفصالاً، أعط بقلبك حَباً  لقاحاً  فيعود إليك عسلاً  زُلالاً، كن للجذور وفياً  مخلصاً و لو قُصِفت، إملأ الدنيا نضالاً، و ابتسمت و استقرت بعينها على الباقة في راحة و أمان..

تمت بحمد الله.

صلاح عبد الله الباشا الإمارات

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك