سلامٌ.. من وراء الجدار – الجزء الثاني

بقلم/
مصر : ۳-۸-۲۰۱۰ - ۳:۰٤ م - نشر

ما زالت عيني متجهة إلى ناحية السرير المعدني القوائم، الذي يحمل جدتي، التي ذهبت في غيبوبة المرض، فوضعوها بالعناية الفائقة، فها هي ترقد في سلام. سلامٌ ظاهري، يخفي تحته ألم السنين، سلامٌ شكلي، لا يداوي الجراح، و لا يسمن من جوع، أو يرحم من ألم، سلامٌ فقط لمن يريد أن يقنع نفسه، أنه يرقد في سلام، و العذاب يجوب أنحاء الجسد الممدد بلا حراك، يجري العذاب مع الدم في هذا الكيان الذي و مازلت أراه البراح ذاته، كيان مترامي الأطراف، البحر أفقه و السماء حدوده، ما كفت عيني عن النظر، و ما كف ذهني عن وجهة النظر، و لم يهدأ الداء فهو يقاتل كل يوم بضراوة أكبر من الأمس، يشتد عتياً بمرور الثوان، فما بالك أنه متمكن من بدن جدتي منذ سنوات، سنوات طوال طوال، لم يكف يوماً عن إيذاء الجلد، و تدمير الأعصاب، و تلويث الدم، و نخر العظام، و بينما عيني عبر الجدار الزجاجي، دائمة النظر إلى جدتي، رجعت بذاكرتي لأقصى ما تستطيع الذاكرة أن ترجع، أحاول أن أسترجع صورة جدتي، و أنا طفل صغير، أكاد أنطق الكلام، و أتلعثم فيه، و هي باسمة الثغر  تصحح لي، أجري إليها قدر ما تقوى عليه ساقي النحيلتين، و أرتمي بقوة في أحضانها الحنونة، أكبر على صوت شدوها بأغنية أو إلقائها لحكاية لي، تغرس في داخلي الموعظة، و بمنتهى اليسر و السهولة حتى تنقش الخير و تربيني لغد غير معلوم، ألجأ إليها بعد كل هفوة، تحميني من والدي حينما يقسوان علي، تسأل عني حالما أغيب، تمرضني إن أصابني الداء، و كنت أسألها عن السبب، ترد علي بعطف و حنان، إن غداً لناظره قريب، ها قد أتى الغد يا جدتي، و أنا ناظره الآن، و ها أنا ذا.. قريب.

أتلفت يميناً و يساراً، أطل برأسي و أستكشف المكان حولي، أتحرك جيئة و ذهاباً، و أتحرق شوقاً و ألماً، فمن منكم أيها المسعفون أدرى بجدتي، من منكم أيها الأطباء أقرب لها مني، أتحسس الجدار و أنا أتلمس الأمل، أريد أن أخطو لها خطوة، و لو خطوة واحدة, إلى داخل غرفتها، التي ترقد فيها، نعم إنها متعبة، و على مدار حياتي قد رأيتها متعبة، أكثر من مرة، و لكن في كل مرة كنت بجوارها أخفف بعض الألم عنها، فأنا منها و هي تشعر بي، و لا أخفي سراً أني كنت من أسباب تعافيها سابقاً، و كانت تشفى من الألم، لتداويني بالأمل، فكنا كيانا واحدا، أكلنا شربنا، عوفينا سقمنا، جاهدنا اجتهدنا، حاربنا ناضلنا، كنا كيانا واحدا، لم يحدنا حد، لم يمنعنا سد، و لم يفرقنا جدار.. إن صرخت حبيبتي هل تسمعينني؟ و لا يعنيني أن يذهب صوتي و لا يرجع، تباً لعين رأتك طريحة و لم تدمع، تباً لثغر رأى تعبك قد أوجع، و لم يدع لك و لعافيتك أن ترجع، لن أكل من البحث عن أي وسيلة، تصلني بك، و توصلني إليك، يا لهذا الفاصل الزجاجي اللعين، أمد يدي أتحسسه، بارد حقا، كبير هو و صلب، أدري أن من أساسيات التعقيم، هو عزل الهواء الفاسد عن الهواء المعقم، و أعلم أن الجدار لوجوده أسباب وجيهة جداً، و لكن مازال يصيبني بالإحباط، يمنعني أنا و أنا لست بغريبٍ و لا مؤذ، فلتسقط أيها الجدار أو لأحطمك، سأبحث في أركانك عن أي منفذ، و إن أبيت سأثقبك و أمد يدي من خلالك، و أصل بذراعي اليائس، إلى وجودي، حتى أجد عمري.

– ماذا تفعل؟

إنتبهت على صوت أنثوي مندهش من فرط ما شاهد للتو، إنتبهت لنفسي و وجدتني في مواجهة الجدار، ألمسه بجبهتي، و رأيت ذراعاي مرفوعتان عن أخرهما لأعلى، و كفاي مضمومتان مقبوضتان، مستندتان إلى الجدار و تطرقانه، ليس بقوة و لا بدوي، و لكن في شرود مملوء بالأمل، حتى نبهني من شرودي هذا الصوت، فالتفت إليها، و قد عرفتني بنفسها، إنها الممرضة القائمة على ملاحظة غرفة جدتي، و قد جذب انتباهها صوت الطرق على الجدار، فجاءت مسرعة و قد أدهشها منظري، و أكدت لي أنها قد سألتني مرتين و لم أجب، و حينما رفعت صوتها في المرة الثالثة، أدركتني مما كنت قد ذهبت إليه، أعدت ذراعاي لجانبي مرة أخرى، و تنحنحت بهدوء و رددت ببساطة:

– يبدو أنني فقط سرحت قليلاً، مع ابتسامة تحمل معنى الاعتذار.

– أنا متفهمة للأمر.

ردت بنبرة روتينية و كأنها ترى من هم مثلي في جميع الغرف الأخرى، و بشرتني..

– كل قراءات الأجهزة الموصولة بجدتك، هي جيدة، بل أكاد أجزم أن جدتك على وشك أن تصحو من غيبوبتها, و أنها قد …..

لم تكمل كلامها، و لكن ببريق ومض في عينها، بابتسامة فوز واثقة من شفتيها، و نظرها يمرق بجانب وجهي, فيتخطاني إلى ما هو خلفي، يخترق الجدار الزجاجي، إلى حيث ترقد جدتي، فلا شعورياً إستدرت، بكياني كله استدرت، و من فرحتي لم أنطق، فقد رأيت عيني جدتي مفتوحتين، و كفها اليمنى مبسوطة، يتأرجح في وهن، بإشارة أفهم معناها جيداً، تشير إلي بالسلام..

و للحديث بقية بإذن الله.

صلاح عبد الله الباشا الإمارات

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك