وصايا.. من وراء الجدار

بقلم/
مصر : ۲۷-۷-۲۰۱۰ - ۲:٤۱ ص - نشر

مَر وقت ليس بقليل و أنا في ردهة تلك المستشفى، أشعر بمنتهى الخوف و الرهبة، أجلس تارة و أقف تارة، أمشي تارة و أسكن تارة، كمية من الرجفة تريد أن تنفلت مني، و لكني أسيطر على انفعالاتي، أقوم بتعديل وضع نظارتي على وجهي، عدة مرات في الدقيقة الواحدة، و أنظر في ساعتي كلما هبطت يدي إلى جانبي، و أنا في قمة القلق، مازلت أحاول التماسك و أردد الأدعية، حتى أهدأ و لو قليلاً، و أتمتم ببعض الآيات، لعلي أستطيع تمالك بأسي و أعصابي، أدير عيني في المكان حولي، لعلي أجد لشرود ذهني سبباً، يسترعي انتباهه فيتجمع مرة أخرى، في دائرة ضوئي و لكن هيهات، أحاول مرة أخرى أن استجمع تفاصيل لصورة المكان حولي، فلا أرى لوناً إلا الأبيض، الردهة بيضاء، الأرضيات بيضاء، الجدران بيضاء، النوافذ بيضاء، الأبواب بيضاء، اللافتات على الأبواب بيضاء، ولكن مكتوب عليها بخط أحمر واضح، كلمة أو كلمتين لتوضيح ما وراء كل باب، فهذا الباب وراءه غرفة التحاليل، و ذلك الباب يقود إلى غرفة الأشعة، و غيره إلى غرفة التمريض، و توقفت عيني أمام باب بعينه، و تعلقت عيني باللافتة المكتوبة عليه، و دق قلبي هذه المرة بإيقاع أسرع مما تعودت، و مع أني أعرف لماذا أنا هنا، و مع أني أدرك السبب من قلقي و جزعي، فلم استطع منع رجفة سرت في بدني كله، بل و منذ زمن طويل قد اهتز كل كياني، حتى أنه تحجرت في عيني دمعة أبت أن تنساب و صمدت في مقلتي بشمم، و أنا أقرأ الكلمتين المكتوبتين, على هذا الباب بالتحديد، العناية المركزة.

يا لها من مفارقة، و يا لفعل الأيام في الأيام، و يا لعجائب الزمن و متغيراته، من الجائز جداً  أن يحل بعضنا في مواقف بعضنا، و من الجائز في هذه الدنيا أن يحدث المتناقضان في وقت واحد، بفاصل بسيط، أو غير بسيط، من العادي أن تفرح اليوم و تحزن غداً، لهذا فمن الجائز أن تكون أنت في موقفي هذا،  فتدرك، تدرك إحساس أن تقف في ردهة مستشفى، و يرقد خلف باب غرفة العناية المركزة، شخص عزيز على نفسك و قلبك، ليس لأنه يقربك فقط، بل لأنه يمثل المعنى لديك، يمثل الرمز و المثال، يساوي كل مغزى للقيمة بداخلك، ببساطة هي جدتي، أحب شخص إلى قلبي، ليس لأنها قريبتي، و لا لأنها حبيبتي، و لكن لأنها وجودي، إنها الماضي و أملي في مستقبلي، هي النهر الذي لا ينحسر من الحنان، هي البئر الذي لا ينضب من العطف، هي من ألهمتني طعم الحياة، قبل أن أدرك معنى الحياة، هي من أومأت بعينها إلى عيني، فتعلمت قبل أن أعرف أن هناك علم، هي التي بسطت إلي يدها، فأدركت معنى الخير، هي وافرة الحكمة، بل هي الحكمة نفسها، و جميع خبرات السنين، فكم من مار أوت، و كم من عار كست، و كم من ضار كـَفت، و كم من بار  شكرت، و كم من أمل أعطت، و كم من ليل صمدت، و كم من غد جلبت، هل منَ المعقول أن أقف بلا حراك الآن، و أدعك بلا حراك ترقدين، خلف هذا الباب، و ممنوع أنا من الولوج، و من مجرد الوجود بجوارك، أو حتى رؤيتك. كلا.. كلا، لا أستطيع أن أتحمل أكثر من هذا، أدخلوني من فضلكم، إسمحوا لي من بعد إذنكم، أريد أن أراها، و ا جدتاه و ا جدتاه..

لا أعرف من استجديت، و لا أدري هل سمحوا لي بالدخول، بهدوء أم بعد مشادة عنيفة، و لا يهمني من أذن لي، أو أشفق علي فأدخلني، المهم أنني خلف الباب، و من الداخل، لم يكن هناك أي إدراك أو إحساس بأي شيء محيط، فقط عيني ارتطمت بجدار كبير من الزجاج، و هدأت من روعي قليلاً، و بدأت أتفحص المكان، و أول ما استرعى انتباهي، درجة الحرارة المائلة للبرودة، سببت لي و بدون قصد رعشة سرت في أوصالي، ساعدت على رفع حالة التوتر لدي، مع مشهد لرؤية جسد مغطى بالأبيض و مكشوف الوجه، من خلف الجدار الزجاجي، يرقد في سلام و أمان تامين، معتلي سرير معدني القوائم، به أسلاك موصولة بانتظام، و جهاز ذو شاشة لمتابعة الحالة، و محلول معلق من الناحية اليمنى للسرير، يمد الجسد الصامد، الصامت، بالغذاء و الدواء معاً، لعله يمدها بترياق الحياة، و عقلي كله توقف عند هذه النقطة بالتحديد، و تذكرت كلام جدتي لي كله دفعة واحدة، يتردد صوتها في أذني كأني أسمعه الآن، اسمع صوت صمتها، يا ولدي حياتي فداك، يا ولدي عش مرفوع الرأس، يا ولدي لا تعادي و لا تعتدي، يا حبيبي رفقاً  بوالديك، يا ابن ابني، احم أبنائك، يا حفيدي اجمع شمل أحفادي، لم أدرك أنني قريب من قلب جدتي إلا الآن، لم أعرف مقداري عندها إلا حينما لم تكن معي، لم أنفذ وصيتها حتى اليوم، ليس لأنني ولد قاس، أو حفيد عاق، بل لأنها كانت هناك، كانت موجودة و حاضرة بنفسها، فإن غاب جسدها عن عالمنا، فهي لم تنته بعد، لم نفقدها للأبد، و لن نفقدها أبداً، هي أمامي.. راقدة نعم، و لكن مازالت تتنفس و ما زالت حية، حقاً ما زالت حية..

و للحديث بقية بإذن الله..

صلاح عبد الله الباشا الإمارات

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

4 تعليقات

  • عائشة الجيار

    لقد نقلتني معك للردهة ،للمساحات البيضاء حولك ،أدخلتني في دوامتك وقلق ونقلتني من خلف الباب معك الى الداخل حيث البرودة في المكان ،وحرارة مشاعرك نحو الجدة الغالية ، هي جدتي ايضا فلقد شعرت بكلماتك ..وانتظر البقية

    • صلاح عبد الله الباشا

      لقد أهديتيني بسمة برقيق الكلام و التعبير, فلك جزيل الشكر, صدقت يا أستاذة عائشة, هي جدتك, بل هن جداتنا كلنا, ضاعفت مسئوليتي لما هو آت, أدعو الله لي و لك بالتوفيق

  • عمرو زهدي

    اعتقد يا زميلي العزيز أنك ستكون كاتب قصصي رائع في المستقبل ان شاء الله , تمنياتي القلبية بالتوفيق .

    • صلاح عبد الله الباشا

      شهادةٌ غالية على قلبي, أتمنى البقاء على مقدارها.
      أتابع كتاباتك يا عزيزي و لم أجرؤ على التعليق, بوافر من النجاح لك بإذن الله

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك