صحيح البخاري و بيت العنكبوت – المقال الثالث

بقلم/
مصر : ۲۱-۷-۲۰۱۰ - ۱:۰۹ م - نشر

تواصل أهـــلاً عرض فصول من الكتاب المثير للجدل "بيت العنكبوت" الذي ألفه الزعيم الشيعي المصري الدكتور أحمد راسم النفيس. و قد سبب هذا الكتاب أزمة كبيرة لما ترتب عليه من التشكيك فى "صحيح البخاري" و ما ورد به من أحاديث نبوية شريفة. الكتاب الذى يوزع على استحياء بمصر و ترفض بعض المكتبات بيعه، حقق خلال الشهر الجارى نسبة مبيعات عالية.

أهـــلاً تواصل عرض هذا بعض أجزاء من الكتاب دون التدخل فيما ورد فيه:

بداية النقل:

ابن شهاب الزهري

أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي حدثني إبراهيم بن سعد عن أبيه قال ما أرى أحدا جمع بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جمع بن شهاب أخبرنا سفيان بن عيينة قال قال لي أبو بكر الهذلي وكان قد جالس الحسن وابن سيرين احفظ لي هذا الحديث لحديث حدث به الزهري قال أبو بكر لم أر مثل هذا قط يعني الزهري أخبرنا مطرف بن عبد الله سمعت مالك بن أنس يقول ما أدركت بالمدينة فقيها محدثا غير واحد فقلت له من هو فقال بن شهاب الزهري أخبرت عن عبد الرزاق بن همام أخبرنا معمر قال قيل للزهري زعموا أنك لا تحدث عن الموالي فقال إني لأحدث عنهم ولكن إذا وجدت أبناء المهاجرين والأنصار أتكيء عليهم فما أصنع بغيرهم أخبرت عن عبد الرزاق سمعت عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب قال لما نشأت فأردت أن أطلب العلم فجعلت آتي أشياخ آل عمر رجلا رجلا فأقول ما سمعت من سالم فكلما أتيت رجلا منهم قال عليك بابن شهاب فإن بن شهاب كان يلزمه قال وابن شهاب بالشام حينئذ قال فلزمت نافعا فجعل الله في ذلك خيرا كثيرا وأخبرت عن عبد الرزاق قال قال أخبرنا معمر أخبرني صالح بن كيسان قال اجتمعت أنا والزهري ونحن نطلب العلم فقلنا نكتب السنن قال وكتبنا ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثم قال نكتب ما جاء عن الصحابة فإنه سنة قال قلت إنه ليس بسنة فلا نكتبه قال فكتب ولم أكتب فأنجح وضيعت قال: قال يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه قال إنا ما سبقنا ابن شهاب بشيء من العلم إلا أنا كنا نأتي المجلس فيستنتل ويشد ثوبه عند صدره ويسأل عما يريد وكنا تمنعنا الحداثة وأخبرت عن عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري قال: كنا نكره كتاب العلم حتى أكرهنا عليه هؤلاء الأمراء فرأينا أن لا يمنعه أحد من المسلمين وأخبرت عن وهيب عن أيوب قال ما رأيت أحدا أعلم من الزهري وأخبرت عن حماد بن زيد عن برد عن مكحول قال ما أعلم أحدا أعلم بسنة ماضية من الزهري وأخبرت عن عبد الرزاق قال سمعت معمرا قال كنا نرى أنا قد أكثرنا عن الزهري حتى قتل الوليد فإذا الدفاتر قد حملت على الدواب من خزائنه يقول من علم الزهري‏.‏

يكشف هذا النص الذي نقلناه بأكمله أن هذه الأسماء شكلت جماعة المفتين الرسميين الذين جرى قبولهم و إعتماد فتاواهم من قبل السلطة الأموية الحاكمة آنئذ و أن عكرمة عبد ابن عباس المملوك المشهور بكذبه و إنتمائه الخوارجي و حقده على أمة لا إله إلا الله كان واحداً من جماعة المفتين المجازين من قبل السلطة الأموية الفاسدة في حين كان الناس لا يجرؤون على رواية الأحاديث عن علي بن أبي طالب عليه السلام و دونكم هذه الأعجوبة من أعاجيب الدهر التي ذكرها ابن كثير في تفسير قوله تعالى (و أن تجمعوا بين الأختين) قال:

وَأَمَّا الْجَمْع بَيْن الْأُخْتَيْنِ فِي مِلْك الْيَمِين فَحَرَام أَيْضًا لِعُمُومِ الْآيَة. وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور عَنْ الْجُمْهُور وَالْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَغَيْرهمْ وَإِنْ كَانَ بَعْض السَّلَف قَدْ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ وَقَالَ الْإِمَام مَالِك عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ قَبِيصَة بْن ذُؤَيْب أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عُثْمَان بْن عَفَّان عَنْ الْأُخْتَيْنِ فِي مِلْك الْيَمِين هَلْ يُجْمَع بَيْنهمَا فَقَالَ عُثْمَان: أَحَلَّتْهُمَا آيَة وَحَرَّمَتْهُمَا آيَة وَمَا كُنْت لِأَمْنَع ذَلِكَ فَخَرَجَ مِنْ عِنْده فَلَقِيَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَوْ كَانَ لِي مِنْ الْأَمْر شَيْء ثُمَّ وَجَدْت أَحَدًا فَعَلَ ذَلِكَ لَجَعَلْته نَكَالًا وَقَالَ مَالِك: قَالَ اِبْن شِهَاب أُرَاهُ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب، قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ النَّمَرِيّ رَحِمَهُ اللَّه فِي كِتَاب الِاسْتِذْكَار: إِنَّمَا كَنَّى قَبِيصَة بْن ذُؤَيْب عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب لِصُحْبَتِهِ عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان وَكَانُوا يَسْتَثْقِلُونَ ذِكْر عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ!!.

و لا شك أن هذا يعطينا فكرة عن الطريقة التي استبعد بها أئمة أهل البيت من اللائحة الأموية التي عينت أسماء المجازين للفتوى بينما إستبقت تلك الأسماء التي تحول بعضهم بعد ذلك إلى نجوم الدين و حصن المؤمنين و إعتمدت فتاواهم و رواياتهم و جرى تعميمها على المسلمين في كتب الفقه و الأحاديث.

دور الأمويين في صياغة الدين

برع معاوية مؤسس النظام في إستخدام فنون الدعاية و التضليل و نحن نعتقد أن أجهزة المخابرات المعاصرة التي تنفق الآن مليارات الدولارات من أجل تزييف و قلب الحقائق هم في النهاية مجرد تلاميذ في مدرسة ابن آكلة الأكباد للدعاية و التزييف.

يروي ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج3 ص14-16:

روى أن أبا جعفر محمد بن على الباقر عليه السلام قال لبعض أصحابه يا فلان ما لقينا من ظلم قريش إيانا وتظاهرهم علينا وما لقي شيعتنا ومحبونا من الناس إن رسول الله صلى الله عليه واله قبض وقد أخبر أنا أولى الناس بالناس فتمالأت علينا قريش حتى أخرجت الأمر عن معدنه واحتجت على الأنصار بحقنا وحجتنا ثم تداولتها قريش واحدا بعد واحد حتى رجعت إلينا فنكثت بيعتنا ونصبت الحرب لنا ولم يزل صاحب الأمر في صعود كئود حتى قتل فبويع الحسن ابنه وعوهد ثم غدر به واسلم ووثب عليه أهل العراق حتى طعن بخنجر في جنبه ونهبت عسكره وعولجت خلاخيل أمهات أولاده فوادع معاوية وحقن دمه ودماء أهل بيته وهم قليل حق قليل ثم بايع الحسين عليه السلام من أهل العراق عشرون ألفا ثم غدروا به وخرجوا عليه وبيعته في أعناقهم وقتلوه ثم لم نزل -أهل البيت- نستذل ونستضام ونقصي ونمتهن ونحرم ونقتل ونخاف ولا نامن على دمائنا ودماء أوليائنا ووجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعا يتقربون به إلى أوليائهم وقضاه السوء وعمال السوء في كل بلدة فحدثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة ورووا عنا ما لم نقله وما لم نفعله ليبغضونا إلى الناس وكان عظم ذلك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن عليه السلام فقتلت شيعتنا بكل بلدة وقطعت الأيدي والأرجل على الظنة وكان من يذكر بحبنا والانقطاع إلينا سجن أو نهب ماله أو هدمت داره ثم لم يزل البلاء يشتد ويزداد إلى زمان عبيد الله بن زياد قاتل الحسين عليه السلام ثم جاء الحجاج فقتلهم كل قتله وأخذهم بكل ظنه وتهمه حتى إن الرجل ليقال له زنديق أو كافر أحب إليه من أن يقال شيعة على وحتى صار الرجل الذي يذكر بالخير – ولعله يكون ورعا صدوقا – (لاحظ!!) يحدث بأحاديث عظيمة عجيبة من تفضيل بعض من قد سلف من الولاة ولم يخلق الله تعالى شيئا منها ولا كانت ولا وقعت وهو يحسب أنها حق لكثرة من قد رواها ممن لم يعرف بكذب ولا بقلة ورع.

النهي عن رواية فضائل أمير المؤمنين

و عن (أبو الحسن على بن محمد بن أبي سيف المدايني) في كتاب (الأحداث) قال

كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة أن برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل أبي تراب وأهل بيته فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون عليا ويبرءون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته وكان اشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة على عليه السلام فاستعمل عليهم زياد بن سمية وضم إليه البصرة فكان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف لأنه كان منهم أيام على عليه السلام فقتلهم تحت كل حجر ومدر وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل وسمل العيون وصلبهم على جذوع النخل وطرفهم وشردهم عن العراق فلم يبق بها معروف منهم وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق ألا يجيزوا لأحد من شيعة على وأهل بيته شهادة.

فضائل عثمان

و كتب إليهم أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل ولايته والذين يروون فضائله ومناقبه فادنوا مجالسهم وقربوهم وأكرموهم واكتبوا لي بكل ما يروى كل رجل منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته. ففعلوا ذلك حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع ويفيضه في العرب منهم والموالي فكثر ذلك في كل مصر وتنافسوا في المنازل والدنيا فليس يجئ احد مردود من الناس عاملا من عمال معاوية فيروى في عثمان فضيلة أو منقبة إلا كتب اسمه وقربه وشفعه فلبثوا بذلك حينا.

فضائل الصحابة

ثم كتب إلى عماله أن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر وفي كل وجه وناحية فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين ولا تتركوا خبرا يرويه احد من المسلمين في أبي تراب إلا وتأتوني بمناقض له في الصحابة فإن هذا أحب إلي واقر لعيني وادحض لحجة أبي تراب وشيعته واشد عليهم من مناقب عثمان وفضله.

فقرأت كتبه على الناس فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها وجد الناس في رواية ما يجرى هذا المجرى حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر وألقي إلى معلمي الكتاتيب فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن وحتى علموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم فلبثوا بذلك ما شاء الله.

محو الشيعة من الوجود

ثم كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان انظروا من قامت عليه البينة انه يحب عليا وأهل بيته فامحوه من الديوان واسقطوا عطاءه ورزقه وشفع ذلك بنسخة أخرى من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكلوا به واهدموا داره فلم يكن البلاء اشد ولا أكثر منه بالعراق ولا سيما بالكوفة حتى إن الرجل من شيعة على عليه السلام ليأتيه من يثق به فيدخل بيته فيلقى إليه سره ويخاف من خادمه ومملوكه ولا يحدثه حتى يأخذ عليه الأيمان الغليظة ليكتمن عليه فظهر حديث كثير موضوع وبهتان منتشر ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة وكان أعظم الناس في ذلك بلية القراء المراءون والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ويقربوا مجالسهم ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان فقبلوها ورووها وهم يظنون أنها حق ولو علموا أنها باطلة لما رووها ولا تدينوا بها.

فلم يزل الأمر كذلك حتى مات الحسن بن على عليه السلام فازداد البلاء والفتنة فلم يبق أحد من هذا القبيل إلا وهو خائف على دمه أو طريد في الأرض. ثم تفاقم الأمر بعد قتل الحسين عليه السلام وولى عبد الملك بن مروان فاشتد على الشيعة وولى عليهم الحجاج بن يوسف فتقرب إليه أهل النسك والصلاح والدين ببغض على وموالاة أعدائه وموالاة من يدعى من الناس أنهم أيضا أعداؤه فأكثروا في الرواية في فضلهم وسوابقهم ومناقبهم وأكثروا من الغض من على عليه السلام وعيبه والطعن فيه والشنآن له حتى إن إنسانا وقف للحجاج ويقال أنه جد الأصمعي عبد الملك بن قريب فصاح به أيها الأمير إن أهلي عقوني فسموني عليا وإني فقير بائس وأنا إلى صلة الأمير محتاج فتضاحك له الحجاج وقال للطف ما توسلت به قد وليتك موضع كذا.

وقد روى ابن عرفة المعروف بنفطويه وهو من أكابر المحدثين وأعلامهم – في تاريخه ما يناسب هذا الخبر وقال إن أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بنى أمية تقربا إليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أنوف بنى هاشم.

نهاية النقل.

الخطة الأموية الإعلامية: حرصت العبقرية الشيطانية الأموية على أن تكون الدعاية الأموية في اتجاهين:

الأول: من أعلى إلى أسفل و هو ما يروجه رموز النظام الأموي من أكاذيب في خطبهم و أحاديثهم.

الثاني: من أسفل إلى أعلى و هو ما يخرج من ألسنة المنافقين و المزورين من أصحاب النسك الزائف المتمسحين بالدين و الدين منهم و من أفعالهم براء و لكنهم لا يظهرون أمام الناس كرموز عاملة في خدمة السلطة بصورة مباشرة بل يظهرون كشخصيات دينية مستقلة.

الآن تتكرر نفس اللعبة حيث تفسح النظم الحاكمة المجال أمام هؤلاء المنافقين لترويج الأكاذيب و الخرافات من دون أن يكون هناك رابط علني يجمع بينها و بينهم (كما يقول الإمام الباقر: حتى صار الرجل و لعله يكون ورعا صدوقا: يحدث بأحاديث عظيمة عجيبة من تفضيل بعض من قد سلف من الولاة و لم يخلق الله تعالى شيئا منها و لا كانت و لا وقعت و هو يحسب أنها حق لكثرة من قد رواها ممن لم يعرف بكذب و لا بقلة ورع).

تفاصيل خطة معاوية

أما تفصيل تلك المهمة المزدوجة فيوردها ابن أبي الحديد شارح نهج البلاغة:

قال: أمر معاوية الناس بالعراق والشام و غيرهما بسب علي عليه السلام و البراءة منه و خطب بذلك على منابر الإسلام و صار ذلك سنة في أيام بنى أمية إلى أن قام عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه فأزاله. و ذكر شيخنا أبو عثمان الجاحظ أن معاوية كان يقول في آخر خطبة الجمعة: اللهم إن أبا تراب ألحد في دينك و صد عن سبيلك فالعنه لعنا وبيلا و عذبه عذابا أليما و كتب بذلك إلى الآفاق فكانت هذه الكلمات يشار بها على المنابر إلى خلافة عمر بن عبد العزيز.

و ذكر أبو عثمان أيضا أن هشام بن عبد الملك لما حج خطب بالموسم فقام إليه إنسان، فقال: يا أمير المؤمنين إن هذا يوم كانت الخلفاء تستحب فيه لعن أبى تراب فقال: اكفف، فما لهذا جئنا.

و ذكر المبرد في الكامل أن خالد بن عبد الله القسري أمير العراق في خلافة هشام، كان يلعن عليا عليه السلام على المنبر، فيقول: اللهم العن على بن أبى طالب بن عبد المطلب بن هاشم صهر رسول الله صلى الله عليه و آله على ابنته، و أبا الحسن و الحسين! ثم يقبل على الناس، فيقول هل كنيت؟!

و روى أبو عثمان أيضاً أن قوما من بنى أمية قالوا لمعاوية: يا أمير المؤمنين، إنك قد بلغت ما أملت فلو كففت عن لعن هذا الرجل! فقال: لا و الله حتى يربو عليه الصغير و يهرم عليه الكبير و لا يذكر له ذاكر فضلا. و قال أبو عثمان أيضا: و ما كان عبد الملك مع فضله و أناته و سداده ممن يخفى عليه فضل علي عليه السلام، و أن لعنه على رءوس الأشهاد، و في أعطاف الخطب، و على صهوات المنابر مما يعود عليه نقصه، و يرجع إليه وهنه لأنهما جميعاً من بنى عبد مناف و الأصل واحد و الجرثومة منبت لهما و شرف علي عليه السلام و فضله عائد عليه و محسوب له و لكنه أراد تشييد الملك و تأكيد ما فعله الأسلاف و أن يقرر في أنفس الناس أن بنى هاشم لا حظ لهم في هذا الأمر و أن سيدهم الذي به يصولون و بفخره يفخرون هذا حاله و هذا مقداره، فيكون من ينتمي إليه و يدلى به عن الأمر أبعد، و عن الوصول إليه أشحط و أنزح.

و روى أهل السيرة أن الوليد بن عبد الملك في خلافته ذكر عليا عليه السلام، فقال: لعنه (الله – بالجر – كان لص ابن لص). فعجب الناس من لحنه فيما لا يلحن فيه أحد، ومن نسبته عليا عليه السلام إلى اللصوصية و قالوا: ما ندرى أيهما أعجب! و كان الوليد لحانا و أمر المغيرة بن شعبة -وهو يومئذ أمير الكوفة من قبل معاوية- حجر بن عدى أن يقوم في الناس فليلعن علياً عليه السلام، فأبى ذلك، فتوعده، فقام فقال: أيها الناس، إن أميركم أمرني أن ألعن علياً فالعنوه فقال أهل الكوفة: لعنه الله، وأعاد الضمير إلى المغيرة بالنية و القصد و أراد زياد أن يعرض أهل الكوفة أجمعين على البراءة من على عليه السلام و لعنه و أن يقتل كل من امتنع من ذلك، و يخرب منزله، فضربه الله ذلك اليوم بالطاعون فمات -لا رحمه الله- بعد ثلاثة أيام، و ذلك في خلافة معاوية.

و كان الحجاج (لعنه الله) يلعن علياً عليه السلام، و يأمر بلعنه و قال له متعرض به يوما و هو راكب: أيها الأمير، إن أهلي عقوني فسموني عليا فغير اسمي وصلني بما أتبلغ به فإنى فقير، فقال: للطف ما توصلت به قد سميتك كذا، و وليتك العمل الفلاني.

فأما عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فإنه قال: كنت غلاما أقرأ القرآن على بعض ولد عتبة بن مسعود فمر بي يوما و أنا ألعب مع الصبيان، و نحن نلعن علياً فكره ذلك و دخل المسجد فتركت الصبيان و جئت إليه لأدرس عليه وردي، فلما رآني قام فصلى و أطال في الصلاة -شبه المعرض عنى- حتى أحسست منه بذلك، فلما إنفتل من صلاته كلح في وجهي، فقلت له: ما بال الشيخ؟ فقال لي: يا بني، أنت اللاعن علياً منذ اليوم؟ قلت: نعم، قال: فمتى علمت أن الله سخط على أهل بدر بعد أن رضي عنهم ! فقلت: يا أبت، وهل كان علي من أهل بدر؟ فقال: ويحك! و هل كانت بدر كلها إلا له! فقلت: لا أعود، فقال: الله أنك لا تعود! قلت: نعم فلم ألعنه بعدها ثم كنت أحضر تحت منبر المدينة و أبى يخطب يوم الجمعة -و هو حينئذ أمير المدينة- فكنت أسمع أبي يمر في خطبه تهدر شقاشقه، حتى يأتي إلى لعن على عليه السلام فيجمجم، و يعرض له من الفهاهة و الحصر ما الله عالم به، فكنت أعجب من ذلك، فقلت له يوماً يا أبت، أنت أفصح الناس وأخطبهم، فما بالي أراك أفصح خطيب يوم حفلك، حتى إذا مررت بلعن هذا الرجل، صرت ألكن عييا! فقال: يا بني، إن من ترى تحت منبرنا من أهل الشام و غيرهم، لو علموا من فضل هذا الرجل ما يعلمه أبوك لم يتبعنا منهم أحد فوقرت كلمته في صدري، مع ما كان قاله لي معلمي أيام صغرى، فأعطيت الله عهداً، لئن كان لي في هذا الأمر نصيب لأغيرنه فلما من الله على بالخلافة أسقطت ذلك وجعلت مكانه (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون) وكتب به إلى الآفاق فصار سنة.

عامر محمود مصر

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك