يحدث في أول النهار

بقلم/
مصر : ۲۰-۷-۲۰۱۰ - ۳:۱۸ م - نشر

أستيقظ غالباً  و أنا ما بين الإستفاقة و الإنتباه، ما بين تمتمات و همس، ما بين عرض سريع لما تم بالأمس، و إستقبال ليوم  جديد، و محاولة ترتيب الجدول الزمني، و عرض لما سوف أقوم به في هذا اليوم ـ بإذن الله ـ من أعمال أو غيره، فإذا بصوت يمر على بالي أو يأتي في أذني، بلا أي معلومة لدي عن مصدر ذلك الصوت الذي فجأة قفز إلى أذني سالكاً  سبيلاً واضحاً  إلى عقلي فيحتله و يرفع رايات النصر على قلاع أفكاري و تفكيري.

ما هذا الصوت؟ ما الذي أتى به إلى داخلي؟ أهو صوت من مذياع في مكان ما من حولي؟ أو حتى ربما من أي مصدر من خارج البيت. و يجوز أيضاً  أن هذا الصوت هو لحن آت  من إحدى أجهزة المحمول.. أو.. أو.. و لكن مهلاً قليلاً، الصوت في أذني، و الجميع ما زالوا في غفوة، الصدى في عقلي، و أهل البيت لم يصحون بعد، الطنين في رأسي، و كل من حولي في سباتٍ عميق، الرنين كما هو، أشعر به، أسمعه و الكل نائم، الكل نائم.

نفضت عن نفسي ذلك الإحساس بالضيق، و من المؤكد أنك تعرف هذا الإحساس بالضبط هو نفس الإحساس الذي ينتابك حين تقف عاجزاً  عن إجابة سؤال بسيط، أو إحساسك و أنت تنسى كلمة كانت فوراً  على طرف لسانك، و مضيت في يومي و طريقي. وصلت إلى عملي لأواصل رحلتي، مكالمات، مراجعات، مشاحنات، إجتماعات. و ينتصف اليوم. و ما بين وقت  و آخر، يمر ببالي نفس الصوت، لا أنشغل عنه و لكنه يتلاشى و ما بين الحين و الآخر يأتي و يتوه في سبل السعي لتحقيق الذات و كفاح الطموح و فجأة.. أجد نفسي لا شعورياً أدندن بنفس ذلك اللحن الذي جال بخاطري في أول النهار.

وجدت لنفسي سبباً  لإلتقاط بعض الأنفاس العميقة بعيداً  عن زحام الكلمات و الأقلام، الورق و الملفات، الأزرار و الشاشات، و إنتبهت مرة أخرى على صوت خافت يصدر من بين شفتاي، لا يسمعه أحدٌ سواي، و لكن ليس بلحن هذه المرة، بل بقليل من الكلمات التي و لسبب غير مفهوم بعثت ببسمة إلى وجهي و شرد ذهني في معان و لا أسمى و لا أغلى من التي طافت ببالي حين تذكرت بعض الكلمات من ذلك الصوت الذي هتف بداخلي بعد أن إستيقظت من سباتي طوال الليل، حتى أتاني أول ما صحوت.

أخذت أسبح في خيالي في نهر الجنة المترامية الأطراف، الكلمات ترن في أذني و أتذكر بل و أتعجب من كثرة ما توالى من حاقدين و حاسدين على تلك الجنة و ما تتمتع بها من مفاتن و مباهج و ما حصدته من ثمار لذلك المجد الذي لم يروى إلا بدماء و دموع المضحيين في سبيل إعلاء الهامة و بلوغ الشأن، فهنا دارت المعارك و هناك عملت الأيادي، حفرت و شقت، زرعت و صنعت، قامت بتعلية البناء حتى ترفرف الراية، ترفرف في القلوب قبل أن ترفرف على السواري، و حقاً  علينا أن نبقي على نور هذه الجنة في قلوبنا، ليعلو ذلك النور و يسود و يقود و يضيء للأبد.

وجدتني سارح و أنا في يقظتي و ضجيج الثورة يتردد في أعماقي، سارح في صراخ الثائرين، زئير المجاهدين، آهات المدحورين، أنات الخاسرين، و كأن الجنة قد تحلت و تزينت و تعطرت برحيق من الشهداء و الشاهدين، و لكل من رغب في الجنة بغير ثمنها.. إنتهى.. و لا يلومَن إلا نفسه.. فالجنة غالية و حصونها منيعة، و الحرية هي لؤلؤتها التي تزين تاج عرشها، الثقة غراسها، و العنبر ترابها، أنى لك يا من تجترئ على الحرية أو تفكر في السطو على لؤلؤة الجنة، فإن لم تجد حرس يصدك، فسيبتلعك ترابها.

و إذا برنين الهاتف يدق، يخلعني من أعماق أفكاري، أحاور و أجاوب و أنجز بعض الأعمال، و تمر الدقائق مسرعة، و أنغمس في يومي حتى أنتهي من عملي، ألملم أشيائي، أجمع حاجاتي و أمضي، هذا زميل يداعبني و هذه زميلة تمازحني، و أنا من هذا إلى هذه أرسل البسمات و أرد الدعابات، و نمضي، كل منا في سبيله، لحاله، لبيته، و جودي منفرداً  لا يخل بأي حال من الأحوال من إنشغال  في نفسي، و قد إستوقفني قرص الشمس و جدته يبحث عن عيني و كأنك تتفقد وجهاً مألوفاً وسط الجموع، أو صديقاً حميماً  لا يمر يوماً  بدون رؤيته، نعم أراك و دعني أصارحك بأني أحمل لك حباً  جماً  فأنت تنير يومي و جنتي و منظرك يسوق الراحة إلى عيني، كأني أستمد منك قوتي و ثباتي على عنادي، لحماية غدي و مستقبلي الذي أحلم بأن أحققه و الذي أحمي حاضره، بحضوري، و عندي من الشهود الكثير و الكثير.

قلبي كله حماس لتحقيق المجد، دمي في فوران البركان لتحقيق النصر، و عقلي كله يقين أن الأمل في الوحدة، وحدة تجمع الشعوب و القلوب، وحدة تتغنى بها النفوس و الألسنة فننعم في حياتنا، نحن و كل الأجيال القادمة، و يتردد نفس ذلك اللحن في أذني و قد بلغت بيتي، الذي و منذ زمن بعيد لم أتخيله بيتي، بل وددت أن يكون هو بيت كل واحد منا، و يتردد نفس ذلك اللحن في نفس كل فرد منا، و ليس شرطاً أن ننام و نصحو على الصوت و هو يهمس في أذاننا و يجوب أذهاننا.. فقط.. في أول النهار.

صلاح عبد الله الباشا الإمارات

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

Leave your vote

0 points
Upvote Downvote

Total votes: 0

Upvotes: 0

Upvotes percentage: 0.000000%

Downvotes: 0

Downvotes percentage: 0.000000%

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق



Hey there!

Forgot password?

Don't have an account? Register

Forgot your password?

Enter your account data and we will send you a link to reset your password.

Your password reset link appears to be invalid or expired.

Close
of

Processing files…

أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك

Warning: mkdir(): Disk quota exceeded in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 321

Fatal error: Uncaught exception 'Exception' with message 'Cache directory not writable. ZenCache needs this directory please: `/homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/cache/zencache/cache/http/ahlan-com/2010/07/20`. Set permissions to `755` or higher; `777` might be needed in some cases.' in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php:324 Stack trace: #0 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->WebSharks\ZenCache\Pro\{closure}('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #1 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/classes/AbsBaseAp.php(55): call_user_func_array(Object(Closure), Array) #2 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AbsBaseAp->__call('outputBufferCal...', Array) #3 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->outputBufferCallbackHandler('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #4 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-includ in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 324