شجاعة السيدة هيلين

بقلم/
مصر : ۵-۷-۲۰۱۰ - ٤:٤۸ م - نشر

وثيقة الحقوق هى أولى وثائق الدستور الأمريكى، و هى تنص على ضمان مجموعة من الحريات الأساسية: حرية الدين، حرية التعبير، حرية الصحافة، حرية التجمع السلمى، حرية الإعتراض على الحكومة.

السيدة هيلن توماس صحفية مرموقة فى الولايات المتحدة الأمريكية و هى إبنة مهاجرين لبنانيين، و قد ولدت السيدة هيلن فى ولاية كنتاكى بأمريكا فى 4 أغسطس 1920 و قد قامت بتغطية البيت الأبيض فى واشنطن لمدة خمسين عاماً منذ سنة 1960 حتى سنة 2010 و ذلك خلال فترات رئاسة عشرة رؤساء أمريكيين منذ الرئيس كينيدى و إلى الرئيس أوباما.

و قد كانت السيدة هيلن هى الصحفية الوحيدة التى رافقت الوفد الأمريكى مع الرئيس السابق ريتشارد نكسون فى رحلته التاريخية إلى الصين فى عام 1972. و قد كانت السيدة هيلن تلقب بلقب شرفى هو "عميدة مراسلى البيت الأبيض" لمدة أكثر من عشرين سنة.

هذا التاريخ الطويل و المرموق لم يشفع للسيدة هيلن عندما قالت إن الإسرائيلين يجب أن يخرجوا من فلسطين، فقد قامت الدنيا فى واشنطن و لم تقعد، و هاجمها المتحدث الرسمى للبيت الأبيض واصفاً تعليقها بأنه مهين و مرفوض، ثم هاجمتها نقابة مراسلى البيت الأبيض التى وصفت تعليقها بأنه لا يمكن الإعتذار عنه، ثم إضطرت السيدة هيلن إلى الإستقالة من عملها كمراسلة فى البيت الأبيض ثم إلى الإستقالة بالكامل من عملها فى مؤسسة هيسرت الصحفية المعروفة، بل و أصبحت شخصاً غير مرغوب فيه فى الأوساط الصحفية الأمريكية.

لم تشفع للسيدة هيلن الحريات التى ضمنها الدستور الأمريكى مثل حرية التعبير أو حرية الصحافة و يبدو أن الدستور الأمريكى نفسه قد تعطل فى داخل البيت الأبيض فى واشنطن لأن السيدة هيلن قالت رأيها ضد إسرائيل. و سوف نناقش موضوع الحريات فى أمريكا بشكل عام و بتفصيل أكثر فى مقال قادم، إن شاء الله.

هل لإسرائيل كل هذا النفوذ على السياسة الأمريكية إلى الدرجة التى عندها يتعطل الدستور الأمريكى من أجل إسرائيل؟ و الإجابة الواضحة هى للأسف نعم، إن لإسرائيل هذا النفوذ فى السياسة الأمريكية. السؤال الأهم هو كيف أصبح لإسرائيل هذا النفوذ؟ و السؤال الأكثر أهمية ما هو النفوذ أو حتى التأثير العربى على السياسة الأمريكية؟

قبل الإجابة على هذه الأسئلة، أقترح أن نستعرض بعض الأرقام الإحصائية الأولية:

  • عدد السكان فى الولايات المتحدة الأمريكية حوالى 310 مليون نسمة
  • إجمالى عدد السكان العرب فى المنطقة العربية حوالى 360 مليون نسمة
  • عدد السكان فى الولايات المتحدة الأمريكية من أصول عربية حوالى 15 مليون نسمة
  • عدد اليهود فى الولايات المتحدة الأمريكية حوالى 6 مليون نسمة
  • عدد اليهود فى الكونجرس الأمريكى 45 منهم 14 سيناتور و 34 نائب
  • لا يوجد فى الكونجرس الأمريكى أى ممثلين أو نواب من أصول عربية
  • يوجد فى الكونجرس الأمريكى الحالى، و لأول مرة فى التاريخ، نائب مسلم واحد هو كيث إليسون، عمره 43 عاماً، إعتنق الإسلام فى سن 19، و هو ليس من أصل عربى.

هذه الأرقام الإحصائية توحى بالخلل فى التمثيل السياسى بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث أن التمثيل السياسي لليهود لا يتناسب مع أعدادهم، و لكن ما هو السر وراء هذه الظاهرة؟ ما هو السر الذى هو أعمق تأثيراً و نفوذاً من الأعداد و الأرقام؟ إنه التنظيم و التكامل و الوحدة.

توجد أكثر من ألف منظمة يهودية فى الولايات المتحدة الأمريكية، معظمهم و ليس كلهم يساندون إسرائيل و الحركة الصهيونية العالمية. هذه المنظمات نشطة سياسياً، فعند كل إنتخابات رئاسية فى أمريكا تنقسم هذه المنظمات إلى مجموعتين رئيسيتين، مجموعة تدعم و تمول المرشح الجمهورى و المجموعة الأخرى تدعم و تمول المرشح الديموقراطى و ذلك لضمان إستمرار النفوذ الإسرائيلى فى البيت الأبيض مهما كان الفائز فى الإنتخابات. تلك المنظمات اليهودية تلعب نفس الدور فى الإنتخابات المحلية فى أمريكا و فى إنتخابات الكونجرس الأمريكى مما يفسر هذا التمثيل السياسى غير المتناسب مع أعداد اليهود. يجدر الإشارة هنا أن بعض المنظمات اليهودية فى أمريكا تعارض إسرائيل و تعارض الصهيونية العالمية.

و مما يفسر النفوذ اليهودى و الإسرائيلى فى الولايات المتحدة الأمريكية كذلك هو السيطرة اليهودية المنظمة و الهادئة على قطاعات حيوية فى الحياة الأمريكية، منها الإعلام و السينما و البنوك و إدارة الأموال و الكثير من مراكر البحث العلمى و التكنولوجى. و بالمناسبة فإن نسبة كبيرة من الإستثمارات العربية فى الولايات المتحدة الأمريكية تديرها شركات يهودية موالية لإسرائيل.

و من نتائج ذلك النفوذ اليهودى فى أمريكا، زيادة نسبة اليهود فى الأعمال و المهن و الوظائف الهامة، زيادة تفوق بمئات المرات نسبتهم العددية فى المجتمع الأمريكى، و يكفى أن تراجع دليل التليفون فى أى مدينة رئيسية فى أمريكا بحثاً عن طبيب أو محامى لتعرف أن الغالبية العظمى منهم من اليهود.

فى المقابل، فإن الدور العربى فى الولايات المتحدة غائب تماماً، فلا منظات عربية نشطة، أو حتى خاملة، و لا مشاركة فاعلة فى العمليات السياسية، و لا تحرك منظم للتأثير فى أى قطاع حيوى من قطاعات صنع الرأى العام أو من قطاعات الأعمال أو البحث العلمى. و السبب وراء ذلك هو أنه رغم العدد الكبير للعرب فى أمريكا، إلا أنهم لا يمثلون أى وزن سياسى يحسب حسابه لأنهم متفرقون، لا يكونون منظمات فاعلة، فى كثير من الأحيان مشغولون بخلافات مفتعلة و مدسوسة. فالمسألة إذن هى مسألة تنظيم، و تكامل، و وحدة.

أما السيدة هيلن توماس، عميدة مراسلى العالم، فلها منا تحية خاصة لشجاعتها و أمانتها و موقفها من القضية الفلسطينية الذى هو إضافة منيرة إلى سجلها المرموق.

د. محمد علاء الدين عباس مرسي مصر

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

د. محمد علاء الدين عباس مرسي عباس مرسي

M. Alaadin A. Morsy, Ph.D.

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك