حواء و الخطيئة.. تعددت التهم و الجلاد واحد

بقلم/
مصر : ۱٦-٦-۲۰۱۰ - ۸:۲۹ م - نشر

تألق إسم حواء في سماء التأريخ الإنساني، و أسال الحديث عنها الكثير من الحبر حتى إمتلأت رفوف المكتبات العالمية بملايين الكتب المتضمنة لآلاف الدواوين التي تغنت بجمال حواء و سحرها و خيرها و شرها، بكل لغات العالم، الحية منها و الميتة، و في مختلف الفلسفات و الحضارات و الثقافات الإنسانية.

و مع كل هذا التألق نتساءل: ترى هل أنصف الواصفون حواء بقدر ما ألقوها؟ و هل أحسنوا إليها بقدر ما أساؤوا؟

الحقيقة أنهم ظلموها في أغلب ما كتبوه عنها، و لم ينصفوها البتة، لأنهم اعتبروها مصدر الشر و البلاء و الرذيلة، فظلت مؤلفاتهم تحكي… و تحكي… بكل غضب و غيظ عن شرها، إنطلاقا من الشر الأكبر و الفعلة التي إتهموها بها و لم يغفروها لها أبداً، لا هم و لا آدم؛ تلك الفعلة التي إعتبروها جريمة نكراء، و التي بدأت فصولها يوم أن همست حواء في أذن آدم بصوت ساهر… فاتن… حنون… لكنه شيطاني مارد، حرضه على الأكل من الشجرة الملعونة، فإنساق المسكين لجمال ذاك الصوت و عذوبته، و لبى مطلبه دون تفكير، و لحظتها وقعت الواقعة، و طرد الإثنان من الجنة بعد أن كانا يعيشان فيها نعيما منقطع النظير، و تم ترحيلهما إلى المنفى، إلى أرض الشقاء و العذاب، و فيها بدأ مشوارهما المضني في الحياة الدنيوية.

من هنا نسجت الحكايات و القصص و الأساطير، في الحديث عن جريمة حواء تجاه آدم، و نزول غضب الله عليهما و إنزالهما إلى الأرض، كل واحد منهما في فج بعيد عن الآخر؛ ثم الحديث عن مشوار ضياعهما في هذا الكون الفسيح، و بحث كل واحد منهما عن الآخر إلى أن إلتقيا بجبل عرفات، و هناك وضع حجر الأساس لإنطلاق الحياة الإنسانية على الأرض بكل ما فيها و ما عليها من مغانم و مغارم، دون أن يغفر لها رفيق دربها الفعلة الشنعاء التي إرتكبتها في حقهما حسب زعمه، رغم حبه الشديد لها و تعلقه بها أيما تعلق، مما أبقاه حذرا منها و معاتبا إياها لأنها أخرجته من الجنة التي لم يكن مضطراً فيها للعمل و التعب و الشقاء، و خاصة لإتخاذ القرارات عند مواجهته لمواقف يجد نفسه فيها مضطراً للحسم، و ما أكثر هذه المواقف على الأرض.

و قد سعت المسكينة و تسعى دائما للتكفير عن ذنب لم ترتكبه، بمحاولتها مساعدة آدم في مده بالرأي السديد في كل مرة، فإن أصاب مبتغاه فرح و هلل و أغدق عليها الهدايا من حلي و جواهر، من منطلق الحب لا أكثر، دون الإعتراف بأن الفضل في هذا النجاح يعود إليها، و إن خاب مسعاه رمى جم سخطه عليها، و ذكرها بجريمتها الأزلية، و كأنها لم تفعل في حياتها قط ما يوجب شكرها عليه.

فسارت الحياة على هذا الديدن من عصور غابرة إلى يومنا هذا، و أصبحت حواء يوماً بعد يوم أكثر إستغرابا من ردود فعل آدم و غريب صنيعه معها، و قد حاولت مرات و مرات دون جدوى أن تفعل ما بوسعها لإعادته للجنة التي إتهمها بالتسبب في طردهما منها، مع أن القرار كان مشتركاً، و الجريمة كانت بفعل فاعل، هو عنصر ثالث في فصول قصتهما، نذر نفسه لأن يفعل كل ما بوسعه ليدمر سعادتهما، فأخرجهما من جنة النعيم، و ظل وراءهما يكيد لهما المكائد و يدبر لهما الحيل لينغص عيشهما حتى في المنفى، كي لا يهنئا بحياتهما معاً أبد الدهر.

لكن آدم لا يريد الإعتراف بذلك، فنجده دائم الغضب منها، رغم سعي المسكينة لفعل كل ما في مقدورها لإرضائه، فكان غضبه الدائم سبب عجزها في خلق الجنة على الأرض، لأنه ليس في وسعها أن تجعلها جنة غناء بمفردها، بل هي بحاجة إلى مشاركته لها في ذلك، غير أنه لا يبذل أي مجهود لتحقيق هذا الحلم، إذ لا يمكن خلق جنة فيحاء فوق أرض مليئة بالغضب، و لا يمكن للمسكينة إرتقاء السماء به بسبب يأسه لدرجة جعلته مثقلا بهموم الأرض، و غير قادر على الرفرفة بأحلامه إلى عالم السعادة، فصار الحال إلى ما هو عليه اليوم من حياتهما معا، هو دائم الغضب منها، و هي دائمة السعي دون كلل أو ملل لإرضائه، و في خضم ذلك إستسلمت مع الأيام لفكرة أنها السبب في شقائه الأبدي، فتملكتها عقدة الذنب، و ما صارت تبارحها أبداً، بل وغدت تتقبل أي إتهام يوجه إليها دون دهشة أو إستغراب، فحملت المسكينة وزر" المرأة رمز الشر و الغواية "، و إثم " المرأة صورة الشيطان على الأرض"، و إصطبرت على ذلك بكل إعتزاز و شموخ، في انتظار أن تنصف يوماً، لكن دون جدوى.

رغم أن الله عز وجل أنصفها في كتبه السماوية، و أظهر لآدم أن قرارهما كان مزدوجا، و أن عليه هو الآخر الإعتراف بذنبه، و تحمل جزء من مسؤوليته، فعدد لهما كفاح حواء و صبرها الجميل في تحمل الرسالة الإلهية، موجها الخطاب لكليهما… لآدم كي يع أن حواء لم تكن يوما رمز الشر و الرذيلة، و لحواء كي تتثبت من دليل براءتها فترفع به رأساً، و تشمخ أمام آدم.

فنجده في محكم تنزيله يروي عن صمود آسية بنت مزاحم إمرأة فرعون، ملكة مصر و سيدة التاج و البلاط و السلطة و الدولة الكبرى، تلك الملكة التي تحدّت أطغى طغاة الأرض، ذاك العدو الحبيب الذي فضلت أن تخسره على أن تخسر إيمانها و نفسها أمام ربها، و تحدث عن قوة و إيمان مريم ابنة عمران التي تحدّت كبرياء بني اسرائيل و تآمرهم، و حربهم الدعائية ضدها، فعرض الإثنين معا كنموذجين ساميين للإنسانية.

و أزاح ستار الظلم الأسود الذي أرخاه على سيرة حواء الذاكرون، فكشف عن الموقع الرائد و الفعّال الذي شغلته في حياة الأنبياء و دعواتهم، ذلك الكفاح الذي تجلت منه قيمة المرأة، فنراه بوضوح عندما نقرأ قصة كفاح أبي الأنبياء إبراهيم (عليه السلام) ضدّ قومه في أرض العراق، و تصديه لطاغية عصره نمرود، صراع إنتهى بنجاة إبراهيم (عليه السلام) من النار بمعجزة إلهية تفوق تصوّرات العقل البشري، ممّا دعاه إلى الهجرة إلى بلاد الشام، فكانت سارة زوجته المؤمنة التقية رفيقة جهاده، وصاحبته في هجرته إلى الشام أين استقرا؛ وهناك بدأ فصل من أعظم فصول تاريخ الإنسان على يد إبراهيم (عليه السلام) بمساندة زوجه سارة، و وقوفها إلى جانبه في جهاده و معاناته و دعوته .

ثم ذكر قصّة هاجر الزوجة الثانية لإبراهيم (عليه السلام) و مشاركتها في كتابة الفصل المضيء من تاريخ الإنسان في أرض الحجاز، في مكّة المكرّمة، حيث جاء بها من مصر، فكانت قصّة هذه المرأة من أشهر قصص التاريخ، و أكثرها غرابة، و أعظمها كفاحاً و صبراً، فتألّق ذكرها من خلال إحتضان إبنها النبيّ إسماعيل، في واد غير ذي زرع عند البيت المحرّم، ليصبح فيما بعدجداً لأعظم نبي في تاريخ البشرية، و هو محمّد عليه الصلاة والسلام.

و سجّل دور حواء في حياة النبيّ و دعوته و مشاركتها له في الهجرة و الصبر لنصرة رسالته، مقرونا بدور الرّجل مساويا له في إستحقاق الأجر و الثواب، و وضعها في أكرم مقام يمكن أن يحتله إنسان في الدنيا و الآخرة، و تعامل معها كما تعامل مع شقيقها الرجل على حد سواء، بإعتبارها هي و الرجل كأساسين لبنيان واحد يجب أن يشد بعضهما البعض ليصير البنيان الإنساني متماسكا مرصوصا، و ذلك بتعاونهما على إصلاح المجتمع البشري و محاربة الفساد و الجريمة و الإنحطاط فيه، لإعادة خلق الجنة المفقودة فيه.

و مع ذلك مازال آدم يتملص من مسؤوليته ليشعر بالارتياح، و يصر على إتهام حواء و يحملها ذنوب العالم كله، و يكن لها جراء ذلك كل مشاعر الضغينة، و يعاقبها بكل العقوبات المتاحة أمامه، المعنوية منها و الجسدية، و يجلدها في اليوم ألف جلدة بلسانه و سوطه، فمتى تراه يستفيق من وهمه ليرى الحقيقة؟ و متى تراه يعترف بكل شجاعة في إشتراكه في الذنب بكل جرأة، و يتعلم منه تحمل نتيجة أخطائه، حتى يصير أكثر نضجاً و وعياً لتحمل تبعات قراراته، دون إلصاق التهم لحواء في كل مرة؟

آسية وعيل الجزائر

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك